موريس أودان صديق الثورة الجزائرية وأستاذ الرياضيات الجامعى، الأب لثلاثة أطفال يعود للذاكرة من جديد، من خلال اعتذار الرئيس الفرنسى ماكرون لأرملته جوزيت أودان التى عانت وتحملت من أجل الظفر بهذا الشرف والحق، فهى لم تترك جمعية ولا محكمة فرنسية إلا ولجأت إليها سواء فى فترة حكم الرئيسين السابقين ساركوزى أو هولاند، ولأسباب وأخرى تم رفض طلبها فى هاتين الفترتين، والآن ها هى تحصل على ما تمنته وصبت إليه من الرئيس الشاب ايمانويل ماكرون الذى شعاره "لا للماضى ونعم للحاضر والمستقبل"، تفكير ومنطق صحيح وإيجابى باعتبار الماضى سبب النكسات واللآلام، أما المستقبل فهو القوة والهدف، لكن ليس فى كل الحالات نفكر هكذا، فماضى بلادى عميق وأليم ومحوه وكأن شيئا لم يحدث ليس بالأمر السهل والهين لا علينا كشباب وأحفاد أبطال نوفمبر المجيد 1954، ولا على رجال ونساء الأمس آبائنا وأجدادنا الذين ضحوا بأنفسهم من أجل أن نحيا سعداء أحرار، أضف إلى ذلك فماكرون لم يعتذر لنا نحن كجزائريين بل اعتذر لأبناء جلدته، يعنى هناك نوع من العنصرية المتميز بها الشعب الفرنسى البارحة واليوم، ولا أظن أن الرجل سيعتذر لأبناء المليون والنصف مليون شهيد لأسباب نذكر منها.
1_ اعتذاره للجزائر شعبا وحكومة سيقلب الطاولة عليه، ويؤلب ضده باقى المستعمرات، فما شاء الله فرنسا استعمرت كل أفريقيا وما زالت، لهذا لن يقدم الرجل على خطوة مجنونة وغبية ممكن أن توقظ الضمائر النائمة وتفتح النار عليه ومن كل الجبهات.
2_ ماكرون وفرنسا فى وضع اقتصادى حرج، وتهوره سيؤدى إلى غضب المعارضين له فى الحكومة، لذا فهو يحتاج إلى هدوء داخلى ليستطيع طبخ الطبخة وتسويتها على نار هادئة مع كل الأطراف الداخلية والخارجية ومن بينها مستعمراته القديمة.
إذن على هذا فرنسا ممثلة فى كل رؤسائها السابقين والحاليين لن تعتذر، وما الخطوة التى قام بها الرئيس الشاب إلا استفزاز وجس نبض لا غير، استفزاز لنا نحن كجزائريين طالبنا ونطالب بالاعتذار والاعتراف عن جرائم شهدها العالم كله، وجس نبض فقط ليعرف ردة فعل مستعمراته ويقرر هل يواصل مناوراته أم يوقفها، فموريس أودان صحيح ناضل إلى جانبنا ووقف ضد حكومته معنا، حكومة عذبته واعتبرته خائنا حتى قتلته، وفوق هذا لفقت التهمة للجزائريين، ففى يوم العاشر من يوليو 1957 كان موريس أودان يعمل أستاذا مساعدا فى الرياضيات بجامعة الجزائر، وعضو فى الحزب الشيوعى الجزائرى، اعتقل الرجل ووجهت له تهمة مساعدة جبهة التحرير الوطنية، وبعد عشرة أيام من اعتقاله فقد أثره دون تقديم أى سبب مقنع لاختفائه، إذن نقول أن الأمر كان سيكون أفضل وأحلى وذا مذاق حلو لو كان الاعتذار وطلب الصفح من زوجات مجاهدينا وشهدائنا الذى مازال الكثير منهم يحلم بهذا اليوم، لكن هيهات تمشى الرياح بما لا تشتهى السفن، ولا أظن أن عمى مخلوف والهادى وخالتى ذهبية ووريدة سيعيشون هذا للأسباب التى تم ذكرها سابقا. فسبحان الله فرنسا تطالبنا بتسوية وضعية الحركى ولا تتحرك وتفعل شيئا اتجاه مطالبنا، تتماطل وتتكاسل بحجج وأخرى لإلهائنا ودفعنا للنسيان وطى الصفحة كأبناء اليوم، فنحن سادتى لم ولن ننسى جرائم أسلافكم فى حقنا وحق أجدادنا، فبسبب فافا الكثير من أطفال الأمس لم يروا ويتمتعوا بآبائهم وأمهاتهم، فجنود العدو قتلتهم وغيبتهم، بسبب فافا فقدنا مليون ونصف مليون شهيد، جهلنا (ضم الجيم والسكون على اللام ) تفرنسنا وتفككنا، وغيرها من الأمور السلبية التى ساهمت فى عدم نهضة بلادنا. وإذا كنت يا سيدى الرئيس لا تتذكر جرائم الماضى، فلا بأس أن أذكرك والقارئ بها وأولها:
_ التجارب النووية التى قامت بها فرنسا من 1957 إلى 1966 فى صحرائنا الكبرى فى أدرار وتمنراست ومنطقة رقان الواقعة بالجنوب الغربى الجزائرى، لحد الآن مخلفات جريمتكم حاضرة وبقوة، تشوهات جسدية وسرطانات قاتلة يتعرض لها كل السكان القاطنون بالمناطق أو حتى بالقرب منها، وعوض مطالبتكم لنا بتسوية ملفات الحركى، لما لا تعوضون هؤلاء والجزائر كلها.
_ جرائم الثامن ماى 1945 التى شملت معظم أرجاء الوطن وخاصة المسيلة سطيف وقالمة، فالسلطة الفرنسية آنذاك قامت بقمع المظاهرات التى خرجت فرحا بانتصار فرنسا فى الحرب العالمية الثانية وطلبا لها بالوفاء بوعودها، وبالفعل وفت بوعودها وقمعت وقتلت جماعيا، دمرت القرى والدواوير.
_ جريمة 17 أكتوبر 1961 يومها رمى الفرنسيون بالجزائريين فى نهر السين، حينها أطلقت القوات الفرنسية بأمر من محافظ باريس النار على مهاجرين جزائريين خرجوا للمطالبة بحق الاستقلال، قتلت الكثير فى الشوارع وأنفاق الميترو، ورمت بجثثهم فى نهر السين حتى طفت جثثهم على سطحه.
فى الحقيقة الجرائم والأفعال القبيحة التى ارتكبها العدو فى حقنا كثيرة ويكفى فقط النقر على صفحة قوقل وكتابة تاريخ الجزائر للمهتمين والباحثين فى علوم التاريخ للتعرف أكثر عن جرائم فرنسا إبان احتلالها للجزائر من 1830 إلى غاية الاستقلال الذى كان يوم الخامس جويلية 1962. فهل هو اعتذار أم استفزاز يا سيد ماكرون، شخصيا لم أفرح كثيرا بالخبر، بل اعتبرته استفزاز ومقدمة لشىء لا نعرفه، أما بخصوص علاقتنا مع فرنسا فهى كانت ومازلت تتسم بالندية والمناورة، ومبدأ واحدة بواحدة خصوصا ملف الهجرة الذى من خلاله يسهر الطرفان على إرضاء بعضهما البعض واستعمال هامش المناورة، وأخيرا نقول :
شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب.
قسما بالنازلات الماحقات والدماء الزاكيات الطاهرات
يا فرنسا قد مضى وقت العتاب وطويناه كما يطوى الكتاب
يا فرنسا أن ذا يوم الحساب فاستعدى وخذى منا الجواب.
فالجزائر رغم كل المشاكل والمخاطر التى واجهتها وتواجهها الان، تبقى بلدنا الحبيب، لن نفرط فى شبرها لك أو لغيرك، فدماؤنا تجرى فيا الحرية وحب الوطن، بلدى خط أحمر شاء من شاء وأبى من أبى والسلام عليكم.
حافى وجيدة كاتبة من الجزائر