وضع الاحتلال البريطانى للهند «جوهر لالا نهرو» فى السجن عام 1921، بتهمة التحريض على الثورة، كان عمره 32 عاما، مواليد 14 نوفمبر 1889، ويقف بجانب أستاذه «غاندى»، فى قيادة حركة النضال لاستقلال الهند، حتى تحقق فى 15 أغسطس 1947، وأصبح أول رئيس وزراء بعد الاستقلال.
كانت ابنته الوحيدة «أنديرا» فى الرابعة «مواليد 19 نوفمبر 1917»، مع بدء سجنه الأول، ثم شهدت وعاشت سجنه المتكرر، وحين بلغت 13 عاما، كتب لها رسائل من السجن، حسب أحمد بهاء الدين فى ترجمته لكتاب «رسائل نهرو إلى أنديرا»، وهو كتاب نادر لكاتبنا الكبير أصدره عام 1955، ووقتها وفقا لبهاء: «كان نهرو زعيما عالميا ملء السمع والبصر»، وداعية نشيطا يجوب أنحاء العالم، مبشرا بشعار الحياد الإيجابى والتعايش السلمى، وكانت أنديرا فى نظر العالم مجرد الابنة ذات الوجه الباسم الوديع، تظهر مع أبيها فى الحفلات، وتقوم بدور «ربة البيت»، بعد أن ماتت زوجته وأمها «كمالا» فى 28 فبراير 1926 وتركته وحيدا.
يؤكد بهاء، أن نهرو حاول برسائله تلقين ابنته درس السياسة والحياة عن طريق سرد تاريخ العالم، فأثر فى تكوينها السياسى والفكرى مما أهلها لتكون رئيسة الوزراء بعد وفاته فى 27 مايو 1964، جمع نهرو هذه الرسائل «196 رسالة» فى كتاب ألف صفحة، واختار بهاء للترجمة: «الرسائل التى تحدث فيها عن الثورات الكبرى، وتركت أثرها فى حياة العالم، خصوصا ما اتصل منها بمعالم الصراع فى عالمنا المعاصر».
بين رسائله واحدة بعنوان «الثورة الفرنسية»، وكتبها يوم 10 أكتوبر «مثل هذا اليوم 1932»، ويستهلها بقوله: «ما أصعب الكتابة عن الثورة الفرنسية.. صعوبة لا ترجع إلى قلة المعلومات عنها، بل كثرتها، كانت دراما رائعة منوعة مليئة بالأحداث الخارقة التى ماتزال تبهرنا وترعبنا وتهزنا، إن سياسات الأمراء ورجال الدولة تدور فى المخادع والحجرات الخاصة، يحيط بها جو من الغموض، وعليها نقاب كثيف يغطى كثيرا من الخطايا، ولغة مزخرفة زائفة، تحجب صراع المطامع المتنافسة، وحتى حين كان هذا الصراع يؤدى إلى الحرب، وإرسال جيوش جرارة من الشباب إلى حتفهم من أجل هذه المطامع والشهوات، لا تسمع أى إشارة إلى هذه الدواع الحقيرة، بل تسمع كلاما عن الدوافع النبيلة والأغراض السياسية التى تتطلب التضحية، ولكن الثورة شىء آخر تماما، ميدانها ليس فى الحجرات المغلقة، ولكنها فى الحقل والشارع والسوق، ووسائلها غليظة خشنة، فالناس الذين يصنعونها ليست لهم ثقافة الأمراء ورجال الدولة، لغتهم ليست موشاة أو مهذبة ولا هى تخفى شبكة من المؤامرات والخطط الشريرة، لا غموض هناك ولا نقاب يغطى ما تتجه إليه أفكارهم، حتى أجسادهم ليس عليها إلا القليل تتغطى به».
يضيف نهرو: «السياسة فى لحظات الثورة ليست مجرد رياضة للملوك والساسة المحترفين، ولكنها تصبح تعاملا مع الحقائق، صادرا عن الطبيعة الإنسانية الخام والبطون الخاوية، وهكذا رأت فرنسا، فى السنوات الخمس الحاسمة من 1789 إلى 1794، الجماهير الجائعة تعمل، إنهم الجائعون الذين أرغموا أيدى الساسة المرتعدة على إلغاء الملكية والإقطاع وامتيازات الكنيسة، إنهم هم الذين قدموا القرابين إلى المقصلة الرهيبة، وانتقموا انتقاما قاسيا من أولئك الذين اضطهدوهم فى الماضى، والذين اعتقدوا أنهم يتآمرون على حريتهم الجديدة، إن هؤلاء الحفاة العراة هم الذين خفوا ليدافعوا عن ثورتهم فى أرض المعركة بأسلحة عتيقة، قهروا بها الجيوش المدربة التى أرسلتها أوربا المتحدة ضدهم».
«صنع المعجزات هؤلاء الفرنسيون.. ولكنهم بعد سنوات رهيبة من التوتر والصراع، كانت قوى الثورة أنهكت فانقلبت على نفسها، وأخذت تأكل بنيها، ثم جاءت الثورة المضادة فابتلعت الثورة الأولى، وأعادت الطبقات الممتازة لتتحكم فى أبناء الشعب الذين خاطروا وتحملوا كل هذا العناء، ومن «الثورة المضادة»، خرج نابليون وأصبح ديكتاتورا وإمبراطورا، ولكن الثورة المضادة ولا نابليون استطاع أن يعيد الناس إلى أماكنهم القديمة..لا أحد يستطيع أن ينتزع من الشعب الفرنسى، بل ومن سائر الشعوب الأوربية، ذكرى تلك الأيام التى حكم فيها رجل الشارع حقا ولو لفترة قصيرة جدا».
«فى أيام الثورة الأولى، كانت هناك أحزاب وهيئات كثيرة تحارب من أجل السلطة، كان هناك الملكيون يحاولون عبثا إبقاء الملك لويس السادس عشر بسلطاته الاستبدادية القديمة، وكان هناك الأحرار المعتدلون يريدون دستورا يبقى الملك بسلطات مقيدة، ثم الجمهوريون المعتدلون، ومن اسمهم «الجيروند»، والجمهوريون المتطرفون، وكان اسمهم «اليعاقبة»، لأنهم اعتادوا أن يجتمعوا فى قاعة «دير يعقوب»، تلك كانت المجموعات الرئيسية، غير كثير من المغامرين وخلف كل هذه المجموعات الأفراد، كانت جماهير الشعب الفرنسى وجماهير باريس بصفة خاصة، تعمل تحت زعامة قادة مجهولين خرجوا من غمارها، وفى البلاد المجاورة كان يوجد المهاجرون وهم النبلاء الفرنسيون الذين فروا من الثورة وأخذوا يتآمرون ضدها، ووقفت كل القوى فى أوروبا متحدة ضد فرنسا الثائرة، كانوا كلهم خائفين من غضبة الرجل البسيط فى فرنسا ويحاولون كبتها..لقد تآمر الملك والملكيون ولكنهم لم ينجحوا إلا فى التعجل بآجالهم».