خالد صلاح

"زيارة المقابر" رحلة الشكوى للأموات من الأحياء.. إحسان تفتقد نصف قرن من الذكريات مع زوجها.. الاشتياق للأب والأم يجمع بين نهال وزينب.. وهناء تفتقد والديها وأشقائها الثلاثة الراحلين.. وأحمد لم ينس صديقه وليد

الأربعاء، 03 يناير 2018 06:30 م
"زيارة المقابر" رحلة الشكوى للأموات من الأحياء.. إحسان تفتقد نصف قرن من الذكريات مع زوجها.. الاشتياق للأب والأم يجمع بين نهال وزينب.. وهناء تفتقد والديها وأشقائها الثلاثة الراحلين.. وأحمد لم ينس صديقه وليد زيارة المقابر


كتب محمد سالمان
إضافة تعليق

كم مرة زرت المقابر من قبل؟.. هل سجلت تلك الزيارات فى ذاكرتك أم أنك تحاول نسيانها؟، ألم تُصبك الرهبة عندما وطأت قدماك مكانًا يعيش أسفله من كانوا يومًا يملئون الدنيا ضجيجًا حولك، هل تعلم أن آخرين يحرصون على زيارة القبور باستمرار ليس لشيء سوى الحصول على الراحة النفسية وتفريغ الطاقة السلبية والشكوى للأموات مما عانوه فى التعامل مع الأحياء.

مع كثرة ضغوط الحياة يحتاج كل منا لسرد ما بداخله للتخلص من احساس وجود شيئًا ثقيل يجسم فوق صدره، ففى هذه اللحظات لا يكون الحديث بمنطق الشكوى إنما فضفضة تحتاج لمن ينصت أكثر ما يناقش، وغالبًا ما توجد الضالة فى الأحباب أيا كانوا سواء زوج أو زوجة أو أشقاء أو أبناء أو أصدقاء، وتزداد مرارة الشعور إذا غادر هذا الحبيب عالمنا وما تبقى منه مجرد ذكريات لكن ما يخفف من الآلام أن سيرته فى حد ذاتها تبعث الهدوء والسكنية لذا فزيارته والحديث معه لا مفر منها حتى لو كانت فى قبره!.

لغز الأعياد وزيارة المقابر

بشكل شخصى فى كل مرة قررت فيها عائلتى الاستيقاظ مبكرًا خصوصا أول أيام العيد من أجل الذهاب إلى "القرافة" لزيارة من فقدوهم أصابتنى دهشة شديدة لمّ كل هذا الحرص على تلك الزيارة؟، ما الفائدة منها ألا يمكنهم الدعاء لهم من المنزل؟، ورغم تفهمى للمغزى الدينى من زيارة المقابر والاتعاظ وأخذ العبرة أنهم السابقون ونحن اللاحقون لكن لماذا الأعياد ألا يوجد أيام أخرى؟!.

مع مرور الزمن أدركت أسباب ذلك الحرص وتيقنت أن العامل الرئيسى يعود إلى حاجة بعض الأحياء لزيارة أحبابهم الأموات للحصول على سكينة مؤقتة، ويُمكن اعتبارها وقت مستقطع من زحمة الحياة، وهذا ما أكده لى رامى بلبل، عامل المدافن أثناء تواجدى فى منطقة البساتين حينما قال أنه فخور بعمله لأنه ثواب كبير، والشيء الثانى أن الكثيرين لا يعلمون كم الصفاء النفسى الموجود فى المقابر، والتى لا يقدرها إلا القليلون!، وبناءً عليه نسرد أبرز أحاديث أحياء على قبور أحبابهم تم تجميعها من خلال زيارات متفرقة من الشخصيات أبطال تلك الحكايات وكان العامل المشترك بينهم كلهم هو الاعتذار عن التقصير مع من فقدوهم.

الحكاية الأولى.. كيف أنسى ذكريات نصف قرن؟!

فى فبراير عام 2009 فقدت إحسان السيدة الستينية زوجها محمود، بعدما عاشت معه قرابة النصف قرن وتشاركا سويا لحظات الشقاء على كثرتها وتذوقا لحظات الراحة على ندرتها، تمكنا من تربية ثلاثة أبناء من العمل سوياً فى مطعمهما لبيع الفول والطعمية، والمؤسف أنهما عندما قررا الاستراحة أصاب الزوج مرض السرطان ليُعانى سنوات قبل الوفاة، تاركًا ورائه فيض من ذكريات لم ولن تنسى لكل من عرفوه، أمّا زوجته فإنها لا تصدق رحيله حتى الآن رغم مرور السنوات!.

فى كل مرة زارت قبره الكائن فى طريق الفيوم حرصت على مناجاته سرًا وعلنًا، قائلة : لم أنساك يا محمود للحظة فأنت معى فى كل الأوقات، أشعر أنك تحدثنى مثلما فعلنا مراراً وتكرارا فى كل منطقة سكنها فيها بداية من الحارة الصغيرة فى منطقة ساقية مكى بالجيزة ثم بيتنا الذى بنينها سويًا بالطالبية فى منطقة الهرم، هل تذكر يا محمود عندما جاء حرامى لسرقتنا فى سكننا القديم، واستقبلت الموقف بالضحك وقلت له :"يا ابنى مفيش حاجة هنا تاخدها!".. فضحك الحرامى وانصرف!.

الحياة لم تعد بعدك كما كانت معك ولكن عزائى الوحيد هو أبنائك وأحفادك الذين تمنيت رؤيتهم فى أحسن حال، والحمد لله هم يعيشون فى خيرك حتى الآن، ويكفى سيرتك الحسنة وما عملتهم أن الخير الذى يزرع يحصد يوما ما، واطمئن يذكرون ضحكات وحنيتك وكذلك كيف تسامحت مع من سلب حقك؟، وشكر الله على ما أعطاه لك، وأقولك اطمئن أصبحت مثلك تماماً أحمد الله على كل ما يحدث وتأكد ما قلته لى لا تشغلى بالك بمن يسلب حقوق الغير ويظلمهم فالكل ذاهب!.

الحكاية الثانية.. أحتاج إليك يا أبى؟

مضت ثمان سنوات على فراق زينب لأبيها، ورغم أنها أم لثلاثة أبناء أكبرهم متزوجة ولديها طفل إلا أنها لم تشعر بحاجتها إليه مثل هذه الأيام، فقد تحملت المسئولية منذ صغرها بسبب زواجها المبكرة، ولم تدرك فى هذا الوقت أنها ستكون فى حاجة لأبيها إلا عندما صارت جدة أكثر من حاجته إليه وهى طفلة!، فى زيارتها الأخيرة أخبرته عن كل ما يؤلمها فى هذه الحياة فلم تعد قادرة على الكتمان أكثر من ذلك، أكدت له أن المسئوليات فاقت الاحتمال، فوصفه الدائم لها بأنها بنت بمائة رجل أصبح يسبب لها الضيق ولم يعد يُسعدها مثلما كان يحدث فى السابق!؟.

الحكاية الثالثة.. لم يعد هناك قشة أتعلق بها يا أخى؟

فى عام 2012، فقدت هناء شقيقها الأكبر أنور ليلحق بكل من والديها شقيقتيها نجلاء وأحلام، وكانت الإصابة بالجلطات العامل المشترك بينهم كلهم قبل الوفاة!، ويمكنك تخيل حجم المعاناة التى تكبدتها تلك السيدة الثلاثينية، ورغم أن كل ما رآها اعتقد عدم مبالاتها بواقعها المرير نظرًا لاعتيادها الضحكة حتى فى أحلك المواقف، ودائمًا ما تبرر ابتسامته :"يعنى هيكون أشد من اللى عدى"!، ورغم هذا الثبات الظاهرى فإنها تخفى ورائه كم رهيب من الحزن لا يظهر إلا عندما تجلس وحيدة.

اعتادت هناء المتزوجة ولديها طفل على زيارة مقابر الأسرة فى محافظة أسوان حيث تعيش، وفى آخر زيارة لها اختصت هناء شقيقها بالحديث معه قائلة : اختلفت معك كثيرًا فى حياتك لكنك كنت آخر قشة تعلقت بها، أعيش اليوم بلا سند، ورغم أنى تحملت المسئولية منذ صغرى وكانت ماكينة الخياط رفيقًا لىّ أكثر من أى شيء فى حياتى إلا أنى حاليًا أشعر بأن قدامى ويدى لم يعودا كما كانوا فى السابق، وكأن قوتهما انهارت ولا أعلم السبب فى ذلك لكن اطمئن فأنى مستمرة فى الضحك على كل شيء!.

الحكاية الرابعة.. انا آسفة يا أمى!

فى عام 2015، وجدت نهال نفسها بدون أم فى غمضة عين، فلم يكن هناك أيا مقدمات تمهد لها لا مرض أو غيره، فقد استيقظت على أصوات تصرخ وأخرى تهدأ من روعها البقاء لله يا بنتى كلنا هنموت، ولبرهة من الزمن اعتقدت أن ما تعيشه مجرد كابوس لكن بمرور الوقت تأكدت أنه حقيقة!، منذ تلك الحظة ولا يفارق لسان نهال كلمات سامحينى يا أمى أنا أسف لم أدرك قيمتك وما كنت تفعليه من أجلنا، بعدك لم تصبح الأيام مثلما كانت معك!، وفى آخر زيارة لها أخبرتها بمدى حرصها على تواصلها الدائم مع صديقاتها وترى فيهن صورة منها، وفى النهاية اختتمت سامحينى يا أمى فلم أكن أعرف شيئًا!.

الحكاية الخامسة.. لم ننساك يا أحمد !

مضت أكثر من 15 عامًا على توديع عائلة محمد الكهربائى لنجلهم أحمد الذى رحل وهو فى عمر الزهور، فقد كان فى الصف الثانى الابتدائى عندما أصيب فى حادثة سيارة أثناء لهوه بالشارع مع أقاربه، لكنه لم ينتظر سوى لحظات حتى فارق الحياة، وقتها اتهم الجميع عائلته بالإهمال!، وتركوهم وانصرفوا ولم يدروا أنهم يحاسبون أنفسهم منذ ذلك الحين لكن ما الجدوى؟، فقضاء الله قد نفذ، فى آخر زيارة لهم بقريتهم التابعة لمحافظة الجيزة استغلت والدته تواجدهم لتأدية واجب العزاء فى أحد أقارب زوجها، وقامت بزيارة قبر نجلها وأخبرته جملة واحدة لم ننساك يا أحمد وملابس العيد التى اشتريتها يوم وفاتك مازالت أحتفظ بها حتى الآن!.

الحكاية السادسة.. أشتاق إليك يا صديقى!

مر أكثر من عام على فقدان أحمد لصديقه المُقرب وليد، وإيمانًا بمبدأ الحياة لا تقف على أحد!، سارت الأيام وعاد أحمد إلى تفاصيل حياته المتخمة بالأحداث ويومه الطويل المليء بالمواقف ورغم تلك الدوامة إلا أنه لا يزال يذكر كل الذكريات التى جمعته بصديقه الوافى صاحب القلب الطيب والنقى، مازال مشهد دفنه عالق فى ذهنه، وفى آخر مرة ودعها فيها كان يردد سأظل باقيًا على العهد لن أنساك، وحاليًا يؤنبه ضميره على تقصيره معه، وفى الوقت نفسه يشعر بحاجته إليه كى يخفف عليه قسوة العالم من حوله مثلما كان يفعل دوامًا ويقول له : كل شيء سيمضى يا أحمد.. هون على نفسك!. 

 


إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة