خالد صلاح

أكرم القصاص

الانسحاب الواقعى والازدواج الافتراضى.. سياسة «كأنه» والذين أرهقهم الريتويت

الخميس، 25 يناير 2018 07:03 ص

إضافة تعليق
«تعبت جدا من ممارسة السياسة، وأفكر فى الاعتزال لأن الحال غير مناسب»، لفت نظرى بوست لأحد أصدقائى معلوماتى أنه لم يكن يوما ممن يمارسون السياسة، ولم يسبق له الانضمام لأى حملة ثم أنه ليس عضوا فى حزب أو تنظيم أو ائتلاف. وغالبا ماكان يسخر من كل من يفعلون ذلك، ولهذا سألته:  هل تمارس السياسة من ورائنا وتعتزل من ورائنا؟ معلوماتى أنك لست عضوا فى أى نشاط سياسى، فرد باندهاش:  «إزاى أنت مش متابعنى وعارف إنى من سنين بقيت سياسى على فيس بوك وتويتر، أنا عندى متابعين كتير وطلبات صداقة وبعمل بوستات بتهد الدنيا، وبتاخد شير وريتويت بالعبيط». قلت له:  «فعلا بالعبيط، ومن حقك تعتزل أكيد بتتعب من كتر الريتويت والشير والرد على اللايكات».
 
كان يحدثنى بجدية، وأنا أيضا تذكرت مرات كثيرة كان يبدو منتشيا تملأه مشاعر الفخر، وهو يشير إلى حجم التفاعلات مع بوستاته وتويتاته، وتحليلاته التى كانت غالبا لاعلاقة لها بالواقع. وعذرته وهو يفكر فى اعتزال نشاط لم يمارسه فعليا. خاصة وأننى رأيت صديقا آخر طوال 7 سنوات فى كل انتخابات برلمانية أو رئاسية كان يطالب بالانسحاب والمقاطعة، ولم أره مرة مع المشاركة فى أى حاجة. اختفى لفترة، وعاد ليتحدث عن مقاطعة، فداعبته قائلا:  «ماشافهومش وهما بيترشحوا شافوهم وهما بينسحبوا».
 
ومن السياسة للتسالى، فقد كتب صديق آخر يشتكى من تراجع مستواه فى لعبة كرة القدم فى البلايستيشن، وكيف فقد قدرته على اللعب والتهديف، ولم يكن يسخر بل كان يتحدث بنفس جدية صديقنا السياسى الافتراضى الذى يريد اعتزال سياسة لم يمارسها. 
 
كل هذا يدخل فى سياقات الحالة« كأنه» التى أصبحت تفرض نفسها. وفيما يبدو أن تنبؤات المفكرين والأدباء ستتحقق ويصل الأمر لأن يتلقى الإنسان إشارات بأنه أكل فيشعر بالشبع، ومعها كبسولة مواد حيوية.  وهى حالة تسقط الحواجز بين الواقع والافتراض. 
 
ليس هذا فقط، بل هناك حالة من الازدواجية تصيب كثيرين، فإذا بهم يعلنون على فيسهم وتويترهم آراء تتناقض مع آرائهم الشخصية، وهو ما وصفتهم بحالة«أنت مش أنت على فيس بوك»، ومنها صديق كتب «بوست» يعلن فيه تأييده بالصورة والموقف لأحد السياسيين الجدد، بينما رأيه الحقيقى على العكس، قبل أيام كان يسخر من الزعيم الافتراضى بأنه مرتزق وتافه، ولكنه على فيس بوك بين «الفريند والجمهور الافتراضى» يعلن عكس قناعاته، انتظارا للايكات والريتويتات، وأن يبدو مختلفا وصاحب مواقف عميقة. 
 
حالة أخرى كشفتها تطورات الأيام الأخيرة عن الازدواجية التى تتلبس البعض وتدخلهم فى تناقضات وتحليلات خالية من المنطق أحيانا، وأضرب مثالا بموقف بعض أصدقاء كانوا ضد الفريق أحمد شفيق يوما واعتبروا انتخابه تراجعا عن الثورية، ومنهم من خاض نضالا مستميتا مصحوبا بعصر الليمون ليطيحوا بشفيق، هم أنفسهم بشحمهم ولايكاتهم وريتويتاتهم تحولوا إلى داعمين وبعضهم اعتبر الفريق شفيق «نيلسون مانديلا»، وكرروا ذلك فى مواقف أخرى مع عنان، ومن هؤلاء زعماء افتراضيين لايكفون عن تقديم تحليلات وتكهنات غالبا ما تثبت الأيام خطئها وسطحيتها.. وإذا كانوا يعتبرون هذا حقهم، عليهم أن يدركوا وهم يغيرون مواقفهم أن من حق آخرين أن يتخذوا مواقف مناقضة بنفس المنطق. يضاف إلى ذلك أهمية أن يمتلك كل شخص تواضعا، وهو يتعامل مع واقع بطبعه غامض.
 
 وهذه الأمثلة تستحق الدراسة، ويمكن أن تجيب على الكثير من الأسئلة التى تتعلق بالمستقبل، خاصة وأن هذه الحالة لاتتعلق بنا وحدنا، لكنها جزء من عولمة الأفكار. وبقدر ما تبدو فكاهية، إلا أنها تعبير عن تحولات تجرى بشكل يسبق قدرتنا على التفاعل معه واستيعابه. وربما يكون توسيع المجال العام، وفتح الباب أكثر للحوارات وتقبل الآراء المختلفة، يسهل عملية هضم وتفهم واقع معقد يتطلب توسيع نطاقات الحوار أكبر من مجرد لايكات وريتويت.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة