خالد صلاح

محمد حبوشه

البرلمان ومراكز التدريب المشبوهة .. صورة عن قرب !

الجمعة، 19 يناير 2018 05:00 م

إضافة تعليق

معروف أن السلطة التشريعية فى أى بلد تعتبر أحد الأعمدة الرئيسية لأى نظام ديمقراطى، فهى أساس عملية التمثيل السياسى، وأحد أهم أدوات مراقبة المحكومين لحكامهم، ومن ثم فإن تشكيلها وطريقة عملها غالبا ما يكون لهما نتائج شديدة الأهمية على حركة واستقرار النظام السياسى عموما، حيث أنها تختص بتشريع القوانين والأنظمة ووضع القواعد العامة التى تنظم مختلف أوجه الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والصحية وغيرها فى تلك الدولة .

والأمر المؤكد أن السلطة التشريعية تلعب دورا هاما فى صنع السياسات العامة من خلال دورها فى التشريع حيث تصدر القوانين وهى أحد أشكال السياسة العامة، بالإضافة إلى دورها المالى من خلال إقرار الموازنة العامة للدولة التى تعتبر التجسيد المالى والرقمى للسياسات العامة, وأيضا لها دور فى إقرار السياسات العامة ومشروعات التنمية ولا يقتصر على ذلك فقط فلها دور فى الرقابة على أداء وتنفيذ هذه السياسات، وهو الأمر الذى يستلزم منها تدقيق التعامل مع مراكز الأبحاث والدراسات التى تتعاون معها فى تحسين ادائها وصورتها أمام الرأي العام.

وما سبق من تعريف لطبيعة وأسلوب عمل البرلمان يعلمه علم اليقين الدكتور على عبد العال رئيس مجلس النواب المصري، تلك الشخصية التى تحمل مواصفات أقل إثارة للجدل، حيث إنه أستاذ قانون دستورى مما يناسب دوره فى رئاسة البرلمان كجهة تشريعية بالأساس، فضلا عن إنه كان أحد العشرة الذين شاركوا فى لجنة مراجعة دستور 2013 أو ما سمى بـ "دستور الإخوان"، كما كان مستشارا للديوان الأميرى بدولة الكويت لمدة تصل إلى عشرين عامًا.

ولعل هذه الخلفية التى تتميز بها السيرة الذاتية للدكتور على عبد العال، كانت الدافع الذى اتفق عليه النواب كضرورة حتمية فى رئيس البرلمان، وهى الخلفية القانونية، فقد حصل الدكتور على عبد العال على ليسانس الحقوق عام 1972، ونال دبلومة فى القانون عام 1973، وأخرى عام 1974، ثم حصل على الدكتوراة عام 1984، وكانت رسالته تحت عنوان "مسؤولية الدولة عن أعمال السلطة القضائية - دراسة مقارنة"، ويشغل منصب أستاذ القانون دستورى متفرغ بجامعة عين شمس، وكذلك من بين القوانين التى شارك عبد العال فى إعدادها، قوانين الانتخابات الثلاثة (تنظيم مباشرة الحقوق السياسية – مجلس النواب – تقسيم الدوائر الانتخابية)، كما كان عضو لجنة العشرة، التى وضعت مبادئ دستور عام 2014 عقب ثورة 30 يونيو.

وكذلك كان من بين ما يتميز به عبد العال كمرشح لرئاسة البرلمان، أنه بلا انتماءات حزبية، فقد خاض الانتخابات مرشحًا على قائمة "فى حب مصر" لقطاع الصعيد وعن محافظة أسوان، إضافة إلى أنه قليل الظهور بالإعلام ولا يوجد له سوابق من التصريحات أو الآراء التى قد تسىء لمكانته أو يستغلها أحد للإساءة له، ولذا جاءت تصريحاته الأخيرة بشكل يدعو للقلق والحيرة حين انتقد رئيس مجلس النواب، بعض التعديلات التى يتقدم بها عدد من النواب خلال مناقشة عدد من مشروعات القوانين، لأنها بعيدة كل البعد عن القانون ولا علاقة لها به من قريب أو بعيد، بحسب قوله.

فقد قال "عبد العال"، خلال الجلسة العامة المنعقدة قبل أيام قليلة، إنه لو أخذ موقفا واحدا تجاه التعديلات المقدمة من بعض النواب، فسيكون فى تقديره أن هذه التعديلات  لاهدف لها سوى إعاقة المناقشة فقط، وذلك لأنها بعيدة عن جوهر الموضوع، متابعا: "هذا الأمر ليس تشكيكا فى نوايا النواب، ولكن فى المركز المشبوه الذى يتعامل معه مجموعة من الأعضاء "، مطالبا الأعضاء بالابتعاد عن المركز الذى وصفه بـ"المشبوه" قائلا : "الشخص القائم على هذا المركز سبق أن طلب منى مرارا وتكرارا أن يدخل البرلمان، لكنى رفضت، وهناك نواب كثيرون توسطوا له من أجل الموافقة على دخوله، وهذا الأمر يطرح علامات استفهام كثيرة بشأن إصرار هؤلاء النواب على دخول هذا الشخص للبرلمان".

ولأن التراشق فى التصريحات أصبح ظاهرة فرضت وجودها على أرض الواقع حاليا بشأن ذلك المركز المشبوه الذى أشار إليه "عبد العال" دون ذكر اسمه، لذا نقدم صورة عن قرب لهذا المركز الذى ظل يعمل على تدريب نواب البرلمان المصرى منذ بداية انعقاده وحتى وقت قريب أعلن فيه مديره أن اعتزل العمل البرلماني، ففى منتصف إبريل 2016، تقدم 102 نائب بطلب تزكية إلى الدكتور على عبد العال، رئيس مجلس النواب، حول ضم "رامى محسن محمد"، مدير المركز الوطنى للاستشارات البرلمانية، كخبير برلمانى من الخارج للاستعانة به ضمن خبراء معهد التدريب البرلمانى .

وجاء ذلك حيث كان من المقرر - أنذاك - أن يتم إنشاء المركز وفقا للائحة مجلس النواب الجديد، التى تم نشرها فى الجريدة الرسمية الاثنين 18 أبريل 2016، بعد التصديق من قبل رئيس الجمهورية، حيث أقرت المادة مادة 418 من اللائحة بإنشاء معهد يسمى ( معهد التدريب البرلمانى)، يهدف إلى المعاونة فى تطوير العمل فى المجلس وتدريب أعضائه والعاملين فيه والارتقاء بمهاراتهم، وترسيخ وتطوير وتدوين التقاليد والسوابق البرلمانية المصرية، ونشرها، ودعم وتوثيق أطر التعاون مع البرلمانات فى الدول الأخرى وتبادل الخبرات البرلمانية معها. ويكون مقره مجلس النواب.

إذن هذا المركز الذى أشار إليه رئيس مجلس النواب – دون ذكر اسمه- كان يعمل بشكل رسمى وقانونى تحت عباءة مايسمى بـ (معهد التدريب البرلمانى)، وذلك تلبية لدعوة رئيسه "رامى محسن" التى تأتى فى إطار أنشطة مركزه بشأن تدريب وتنمية وتأهيل نواب البرلمان على كيفية ممارسة العمل البرلمانى، والتى أكد فيها : "نحن على استعداد على تدريب نواب مصر مجانا على اللائحة الجديدة، والأدوات البرلمانية الجديدة وفقا للائحة الأخيرة للبرلمان"، ومن ضمن الاقتراحات التى تقدم بها "محسن" إعادة النظر فى الموقع الإلكترونى الخاص بالبرلمان وتحديثه وترجمته إلى اللغة الإنجليزية، مشيرًا إلى أنه لا يحتوى على معلومات كافية عن البرلمان المصري، سوى كلمات ولقاءات الدكتور على عبدالعال رئيس المجلس، كما أشار إلى أن الموقع الإلكترونى يفتقد لوجود تقارير عن البرلمان أو الجلسات أو معلومات حديثة عن أعضاء اللجان، موضحا "توجد أسماء من تم إسقاط عضويتهم، ومن توفى من النواب على الموقع الالكترونى للبرلمان حتى الآن".

وأكد "محسن"،أن الموقع الإلكترونى يعد واجهة السلطة التشريعية وتزوره آلاف الجهات والباحثين والمهتمين بالشأن النيابي، مشيرًا إلى أنهم يستقون المعلومات الرسمية منه عما يدور تحت قبة البرلمان، لافتًا إلى أنه إذا لم يجدوا المعلومات الأساسية سيلجأون إلى التأويل أو المعلومات المغلوطة، وتابع "محسن"، غالبية البرلمانات لديها موقع الكترونى بأكثر من لغة لنشر التقارير البرلمانية ومضابط الجلسات المنشورة فى الجريدة الرسمية، مبينًا أنه يجب اتخاذ اللازم نحو إنشاء موقع الكترونى يليق بالبرلمان المصري.

عند هذا الحد نتوقف ونسأل سؤلا منطقيا : كيف عمل هذا المركز أو غيره طوال كل تلك الشهور الماضية دون الكشف عن حقيقية دوره المشبوه فى الزج بقضايا تثير الرأى العام وتركب المشهد البرلمانى فى أداء عمله على أكمل وجه، خاصة أن تصريحات رئيسه تأتى على عكس دعوته الأولى للتعاون فى تدريب أعضاء البرلمان، فقد كشف رامى محسن، مدير المركز الوطنى للاستشارات البرلمانية، أن دور مركزه يتمحور فى تقديم الدعم الفنى للنواب ( مقابل مادي، وليس جهة تدريب ) مضيفًا أن حزبى الوفد والمؤتمر يتعاقدان مع المركز، وكذلك عدد كبير من نواب ائتلاف دعم مصر، وهو مايعنى أن لهذا المركز أهداف مادية بالأساس، بل ربما يكون له مآرب أخرى فى إثبات وجوده تحت قبة البرلمان المصرى فى هذا الوقت الحساس من تاريخ مصر، وخاصة إننا لانعرف مصادر تمويله من أين، وكيف ولماذا استمال "102 عضوا" لتزكيته كخبير برلمانى من الخارج للاستعانة به ضمن خبراء معهد التدريب البرلمانى؟

لقد لفت نظرى جيدا رد رئيس المركز على رئيس البرلمان الذى لم يعلن عن أسماء المراكز المشبوهة، قائلا: أنا لم آخذ الرسالة على محمل المهاجمة، ولكن عشية إعلان الدكتور على عبد العال عن منظمات تدرب النواب على الإضرار بالأمن القومى وجدت مانشتات فى أكثر من جريدة زج باسم المركز الوطنى للاستشارات البرلمانية، ضمن المنظمات التى تتلقى تدريبا أجنبيا، أو تدرب النواب بدون وجه حق، وبالفعل رئيس البرلمان لم يصرح بأى اسم مركز، ولكن وجدت اسم مركزى ضمن المراكز فى أكثر من جرنال، ولذلك بادرت وأعلنت أن مركزى ليس جهة تدريب، وإنما جهة تعاقد خاصة تتعاقد مع النواب مقابل مادي، كملفات معلوماتية عن موضوع تحت قبة البرلمان أو مناقشة تقرير أو طلب إحاطة أو استجواب ومناقشة عاجلة، أو استضافة تليفزيونية أو خطاب إعلامي، هذا ما نقوم به فى هذا المركز، مؤكدًا أن مركز الاستشارات البرلمانية لم يتلق تمويل خارجي، وإنما أؤسس من أجل العمل مقابل المال، فنحن شركة بتوصية بسيطة وأنا الشريك الموصى ولدى شريكين آخرين، وليست جمعية أهلية لكى نتلقى تمويلًا من الخارج، وهدفنا هو التعاقد مع النواب من أجل الدعم الفنى لهم.

وفى رده على سؤال هل تم منعك من دخول البرلمان؟ تكمن علامات استفهام كبيرة أخرى، حيث قال: أنا لم أنفي، ولكن لم يكن لدى علم، فهناك اتصالات عدة سألتنى بأنى منعت من دخول البرلمان، وبعدها أرسلت أحد ليسأل فوجد ورقة معلقة أمام المجلس بمنع دخول رامى محسن للمجلس، وهذا من سلطة رئيس المجلس منع أى شخص من الدخول ولكنى لا أعلم السبب إلى الآن، ويستطرد قائلا: بالتأكيد ليس لدى معلومات، وأنا أتحدث عن مركزى فقط، ولكن يمكننا القول بأن البرلمان ليس جهة اتهام أو جهة تحقيق، وإنما تشريع، ورئيس البرلمان بصفته رجل دستورى يعلم ذلك جيدًا فلديك معلومات بأن هناك مراكز مشبوهة، فالقضاء يتصرف، ويأخذ مجراه وليس البرلمان فهناك مؤسسة تسمى سلطة قضائية .

وبدورنا نحن نطالب رئيس مجلس النواب الدكتور على عبد العال بضرورة الكشف عن تلك المراكز المشبوهة التى أشار إليها فى تصريحاته قبل أيام، وتوفير الدلائل على التورط فى أعمال مشبوهة من شأنها الإضرار بالمصحلة العامة للبرلمان، بحكم وظيفة البرلمان الأساسية كأحد أهم أدوات مراقبة المحكومين لحكامهم، وتأثيره شديدة الأهمية على حركة واستقرار النظام السياسى عموما، حيث أنه يختص بتشريع القوانين والأنظمة ووضع القواعد العامة التى تنظم مختلف أوجه الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والصحية وغيرها فى الدولة المصرية التى تواجه تحديات خطيرة تستلزم ضرورة المكاشفة الفورية أمام الرأى العام عن حقيقة مايجرى تحت القبة !.             


إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة