خالد صلاح
}

عباس شومان

التكفير.. مرة أخرى

الأربعاء، 17 يناير 2018 05:00 م

إضافة تعليق
يؤلم قلوبنا ما يقع بين الفينة والأخرى من سفك دماء زكية على أرض طاهرة فى بلد قال الله بحق داخليه: «ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ». وفى سياق تناول هذا الإرهاب الأسود يظن بعض الناس أن الحكم بالكفر على هذه الثلة المارقة يمثل أقصى عقوبة لهم على جرائمهم التى يقترفونها بحق الوطن بكل فئاته وطوائفه، دون إدراك أن تكفير هؤلاء المجرمين لا يلحق أى ضرر بهم، بل إنه منحة لا يستحقها هؤلاء الأشرار.
 
وبدلا من العمل على كشف الصناع الحقيقيين لهذا الإرهاب الغاشم، وفضح كذب الإرهابيين وتفنيد شبهاتهم التى يتسترون خلفها لتبرير جرائمهم، نرى بعض الناس يصبون جام غضبهم على الأزهر الشريف لرفضه تكفير هؤلاء الإرهابيين، وكأن إرهابهم سينتهى بمجرد إعلان كفرهم، أو أن الأزهر يخفف من جرمهم برفضه تكفيرهم! ونسى هؤلاء أو تناسوا أن الأزهر يعتبر هؤلاء المتطرفين أشد خلق الله إجرامًا، وأنهم من المفسدين فى الأرض المحاربين لله ورسوله، وأنهم يستحقون أشد عقاب ورد فى شريعتنا إذا وقعوا فى قبضة رجال الأمن وأحيلوا للمحاكمة، وإن لم ينتهِ شرهم إلا بقتلهم وجب على أجهزة الأمن قتالهم حتى استئصال شأفتهم، ويعامل معاملتهم مَن دعمهم بالتمويل أو التدريب أو التخطيط، فحكم المساعد الذى يسمى بالرِّدء فى شرعنا حكم المباشر للجريمة.
 
وقد بينت فى مقالة سابقة، كما بيَّن غيرى من علماء الأزهر فى مختلف وسائل الإعلام، وفى مقدمتنا شيخ الأزهر نفسه فى غير مناسبة، أن قضية التكفير من قضايا العقائد، وأن لها ضوابط علمية تمنع الأزهر من إصدار أحكام الكفر وإسقاطه على أفراد أو جماعات دون تحقق شروطه، ولا يملك الأزهر ولا غيره من المؤسسات العلمية والمجامع الفقهية المعتبرة إلا بيان كنه الكفر، وتوضيح الأقوال والأفعال المكفرة، كأن ينكر الإنسان معلومًا من الدين بالضرورة، أو يحل ما حرمه الله عز وجل كقتل الأنفس المعصومة، أو يحرم ما أحل الله، أما إسقاط أحكام الكفر على الناس فمرده للقضاء، لما يُحتاج إليه من معرفة حال القائلين أو الفاعلين وقت ارتكاب القول أو الفعل المكفر، ومدى إصرارهم على ذلك، وما إذا كانوا مكرهين عليه، ثم ما يترتب على صدور الحكم بالكفر من آثار كالتفريق بين الزوج وزوجته، وحكم تغسيله ودفنه وميراثه، ومدى شمول الحكم الأفراد جميعًا بمن فيهم الأطفال والنساء... إلخ.
 
وإذا تأملنا المشهد حق التأمل لوجدنا أن إطلاق الكفر على هؤلاء الإرهابيين، على فرض امتلاك الأزهر لهذه السلطة، لن يؤثر قيد أنملة عليهم، ولن يدفع عنا شرهم، فالذين لا يتألمون للدماء المعصومة وهى تسيل بلا جريرة لن تهزهم كلمة أو وصف يطلق عليهم، بل إن وصفهم بالكافرين سيفتح أبوابًا للجدل والمهاترات دون أن يلحق الإرهابيين أدنى أذى من هذا الحكم.
 
ونقول بإيجاز تقتضيه مساحة هذه الزاوية لمن يتساءل عن سبب امتناع الأزهر عن تكفير داعش وغيرها من المجرمين الذين يستبيحون دماء الناس مسلمين وغير مسلمين وينتهكون أعراضهم ويخربون ممتلكاتهم، ولمن يستغرب دخول هؤلاء المعتدين المارقين فى جملة المسلمين مع أن الظاهر من أفعالهم أنهم أبعد الناس عن هذا الدين اعتقادًا وإيمانًا، حيث إن ما يظهر من آثار عدوانهم يؤكد أنهم مرتزقة ممولون يخدمون أجهزة تمدهم بكل أشكال الدعم اللوجستى من سلاح وعتاد وأجهزة رصد وتتبع واتصالات دقيقة، وتسهل تسللهم عبر حدود الدول وتغض الطرف عن تحركاتهم الميدانية التى يشاهدها العالم عبر وسائل الإعلام المختلفة:
 
لو فرضنا أنهم مسلمون، فإن الحكم بتكفيرهم يعنى أن هؤلاء مرتدون عن الإسلام، فلا يغسَّلون ولا يكفنون ولا يدفنون فى مقابر المسلمين، ولا يكون توارث بينهم وبين أقاربهم، وغير ذلك من أحكام يتفق الفقهاء حول بعضها ويختلفون حول بعضها الآخر. وهذا الأمر يفتح أبواب جدال عقيم حول الردة وحدِّها بما لا يعود على الأمة إلا بمزيد من القضايا التى لا طائل منها ولا جدوى. وحتى فى حال الاتفاق على وجوب قتل المرتدين، فلا جديد فى ذلك بالنسبة لهؤلاء الإرهابيين، لأننا نقول بوجوب قتال الإرهابيين وتخليص الناس من شرورهم إن لم يندفع شرهم إلا بذلك، بل إن الحكم بكفر هؤلاء الإرهابيين يفيدهم من حيث أردنا إضرارهم به فيكون منحة لهم وليس عقابًا، حيث يمكنهم عند القدرة عليهم وتقديمهم للمحاكمة إسقاط وصف الكفر عنهم فى لحظة واحدة بالنطق بالشهادتين وإعلان توبتهم، وعندئذ لا يستطيع مخلوق أن يقول إن نطق الإرهابيين بالشهادتين وإعلان توبتهم لا يعيدهم إلى الإسلام من جديد، والإسلام، كما هو معلوم، يَجُبُّ ما قبله.
 
وبالإضافة إلى ذلك، فإن فتح باب التكفير سيغرى هواة التكفير ويفتح شهيتهم لتكفير المخالفين لهم فى العقيدة أو المذهب وربما التوجه السياسى أو الفكرى، وهنا يتحول الأزهر من مؤسسة علمية منضبطة إلى «تكفير خانة» تحت الطلب، وساعتها يكون أسوأ بكثير من الجماعات الإرهابية التى تكفر المجتمع بأسره بمن فيه الأزهر ومنتسبوه!
 
فلا تمنحوا الإرهابيين بتكفيرهم فرصة الإفلات من العقاب، وأبقوهم فى دائرة المفسدين فى الأرض المحاربين لله ورسوله من غير نظر إلى عقيدتهم، ليبقى عقابهم أشد عقاب ورد فى شريعة الإسلام ويظل واجبًا حتى لو أعلنوا توبتهم؛ لأن توبة المفسدين فى الأرض تُقبل متى وقعت قبل التمكن منهم، أما بعد وقوعهم فى قبضة رجال الأمن فلا اعتبار لتوبتهم، لقول الله تعالى: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»، فلماذا يراد بتكفير هؤلاء قبل القدرة عليهم منحهم فرصة الإفلات من العقاب بإعلان إسلامهم بعد القدرة عليهم؟! وهل نحن أعرف بإسلامنا من رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم، الذى لم يكفر المنافقين مع علمه بكفرهم ومعرفته بأسمائهم؟! وهل نحن أفقه من سيدنا على، رضى الله عنه، الذى لم يكفر الخوارج مع تكفير بعضهم له وقتالهم له ومن معه؟! ألم يصف ربنا عز وجل مقاتلين للمؤمنين بالمؤمنين فى قوله تعالى: «وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا»؟! ومع ذلك، فإننا فى الوقت الذى لم نحكم فيه على هؤلاء الإرهابيين بالكفر، لم نحكم لهم بالإيمان أيضًا، بل إننا لم نتعرض للحكم على عقيدتهم أصلًا، فماذا تفيد معرفة عقيدة أشخاص أو جماعات تقتل المسلمين والمسيحيين وتنتهك مقدساتهم؟!
 
وقد استعجبت كل العجب مما نُسب إلىَّ أننى رفضت تكفير المجرمين الذين قتلوا المصلين فى مسجد الروضة ببئر العبد مع أننى لم أُسأل عن حكم تكفيرهم أصلًا، وإنما كان السؤال عن سبب عدم تكفير الأزهر لداعش ومن على شاكلتها، فأجبت بما ذكرته آنفًا، ثم انتقلت للحديث عن المجرمين الذين قتلوا المصلين فى المسجد، فنفيت أن يقوم مسلم أو مسيحى أو يهودى يملك أدنى درجات الإيمان بما قاموا به، وأن هؤلاء ليسوا بشرًا، وأنهم كالكلاب الضالة لا يجدى معهم إلا القتل حتى استئصال شأفتهم. ومع أن المداخلة صوتية وليس بها أى غموض ويمكن لأى شخص أن يسمعها، إلا أن المغرضين والمتربصين أولوها فى جرأة وخبث لا يحمل إلا تعمد الإساءة واستغلال أحزان الناس، وحتى التوضيح الذى كتبته فور ظهور التعليقات تجاهله الجميع مع أن العادة جارية على نشر ما أكتبه على صفحتى الشخصية بعد لحظات! هدى الله الجميع، ووقانا شر المغرضين، وحمى بلادنا وبلاد المسلمين من شر المفسدين.

إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة