خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

فاطمة ناعوت

نصير شمّة.. تِهْ موسيقى

الأحد، 17 سبتمبر 2017 10:00 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
عزيزى «نصير شمّة»: «تِهْ موسيقًى فأنتَ أهلٌ لذاكَ.. وتحكَّمْ فالفنُّ قد أعطاكَ».
 
ولستُ أدرى لماذا واتانى «عمر بن الفارض» لأشتبك مع أحد أبياته بتصرّف، وإن كسرتُ شيئًا فى شطره الأول، وأنا أُنصِتُ إلى هذا العراقىّ المبدع، قبل عام، وهو «يرتجل» أمامنا نغمًا من تأليفه ليشرح لنا مسألة موسيقية دقيقة فى «بيت العود» بأبى ظبى! ثم باغتنى البيتُ الصوفىّ الجميل نفسُه، وأنا أنصتُ إليه الخميس الماضى فى المجلس الأعلى للثقافة، يشرح لنا، أمام لجنة المحكّمين، رسالته العلمية المبتكرة حول «الأسلوبية فى الموسيقى». هل ارتبط اسمُ هذا الموسيقار فى ذهنى بالتصوّف لأن له منزعًا صوفيًّا فى العزف والتأليف الموسيقى لا تُخطئه الأذن؟ أم هل بسبب ولعه المدهش، وتواصله العميق، بالمتصوفين الشعراء كالحلاج والسهروردى وابن عربى وغيرهم، مما نلمس فى حواراته وموسيقاه، ما يجعلنى أضعُ موسيقاه دائمًا فى خانة التصوف الموسيقى؟ أم لأن إغراقه فى قراءة الأدب بشكل عام، والشعر بشكل خاص، جعله «يغار» من غزارة المدارس النقدية الأدبية، فى مقابل «شُحّها» فى دنيا النغم، ما جعله يحفر جدولا، لم يسبقه إليه أحد، يغذيه بماء البحث والترصّد والتربّص بعظماء الموسيقى، يطارد ظلال الأسلوبية والفردانية فى نغماتهم، حتى ينحت فى معجم الأدبيات الموسيقية مادةً علمية جديدة، أطلق عليها اسم: «الأسلوبية موسيقيًّا»، سوف تنمو مثل شجرة وارفة، مع تواتر الباحثين والدارسين من أبناء النغم الجميل؟ لماذا هناك بنيوية وتفكيكية وإحصائية وأسلوبية، وغيرها من «مخالب» النقد الأدبىّ، التى تنشب نِصالَها فى أجساد النصوص لتفكك أوصالها وتُشرِّح مفاصلها حتى تُخرج نُسغَها ورحيقَها، بينما لا نجد مثل تلك المخالب القنّاصة فى غابات الموسيقى المشتجرة؟! هكذا تلفّت الفتى حوله فى حقول النغم، فلم يجد! فراح يفتّش فى المدونة الموسيقية منذ قرون باحثًا عن «مخلب» الأسلوبية. واعترف المايسترو أن ما استفزّه وأثار غَيرته من الآداب والشعر، كتابٌ وقع فى يده لكبير النقّاد العرب د. صلاح فضل حول «علم الأسلوب»، فحاول أن يطبّق منهجه الأدبى على الموسيقى، علّه يجد طريدتَه أو يلمح ظلالها. اختار ثلاثةً من أساطين النغم تُمايزُ بينهم الجغرافياتُ والتاريخ، وتجمعُهم الريشةُ والوتر، فريدريك شوبان من بولاندا يمثل الغرب، ناظم الغزالى من العراق، ورياض السنباطى من مصر، يمثلان الشرق، كلٌّ منهم عظيمٌ فارقٌ عابرٌ للأزمان والأمكنة، ولكلٍّ منهم نغمةٌ لا تخطئها الأذنُ السليمةُ لأن لكل منهم أسلوبًا موسيقيًّا يعزُّ نظيرُه، نكادُ فى حضرتهم نقول: «نعم، غادر الموسيقيون من مُتردّم»، مع الاعتذار لعنترة بن شداد، وبيته الشهير.
 
تربّص بأولئك الموسيقيين الكبار، فتى الموسيقى العراقىُّ العالمى «نصير شمّة» ليدرس «أساليبهم»، و«أسلوبياتهم» فى نحت النغمة والسكون، فكانت رسالةُ الماجستير التى تقدّم بها بإشراف د. حسين الأنصارى، ونوقشت فى القاهرة قبل أيام أمام اثنين من رموز الموسيقى فى مصر هما: د. إيناس عبدالدايم، رئيس دار الأوبرا المصرية وعازفة الفلوت الساحرة، ود. زين نصّار، المؤرخ الموسيقى وأستاذ النقد الفنى، ورئاسة فارس النقد الأدبى د. صلاح فضل. واتفقت اللجنةُ على منحه درجة «الدكتوراه» بدلا من «الماجستير»، ليس فقط لأن للباحث منجزًا موسيقيًّا وتعليميًّا هائلا شهده العالم منذ عقود فى المجال الموسيقى، بل كذلك لأن هذا البحث يُعدُّ فتحًا لكوّة غير مطروقة فى حقل النقد الموسيقى، وإزالةً لحائط عثرٍ كان يقفُ بين الأدب والموسيقى دون مبرر، ثم لإدخاله مصطلح «الأسلوبية» فى أدبيات النقد الموسيقى لأول مرة، ومن ثم تُحسبُ له الريادةُ والسبقُ فى هذا.
 
وبعدما ضجّت القاعةُ بالتصفيق الحادّ والمستمر، فرحًا بهذا القرار، بمنح الفنان نصير شمّة درجة الدكتوراه، أوضح لنا د. صلاح فضل أن هذا عُرفٌ جامعىٌّ شهير فى عديد من جامعات العالم، مثل جامعة «مدريد» الإسبانية التى درّس بها، وجامعة السوربون الفرنسية، وغيرهما، إذا ابتكر الباحثُ جديدًا فى علم ما، كما فعل نصير شمة حين شق طريقًا لعلم الأسلوبية فى الموسيقى، فى سابقة لم يسبقه إليها أحد.
 
نصير شمّة ليس موسيقيًّا مدهشًا وحسب، عزف فوق كبريات خشبات مسارح العالم قبل تخرّجه فى معهد الموسيقى فى بغداد، وليس باحثًا لا يهدأ فى علم الموسيقى، وقنّاصًا لطرائد النغم الهاربة، إنما هو «صانعٌ» و«صائغٌ» يبحث عن اللآلئ البرعمية بين رمال البشر وبحارهم، لتنمو فى قواقعه العلمية الأكاديمية التى أطلق عليها اسم: «بيت العود»، الذى أنشأه فى مصر عام 1998، برعاية د. رتيبة الحفنى والفنان فاروق حسنى، ثم فى قسطنطينة والجزائر والإمارات، ينتخب فرائده من الأطفال الموهوبين من مختلف جنسيات العالم، من عمر ست سنوات، يصنع لهم أعوادًا وقوانينَ صغيرة تناسب أجسادهم النحيلة، ودون سقف عمرىّ، ليتعلّموا العود والقانون على أيدى خبراء نوعيين، يدرسون أربعة وعشرين شهرًا حتى يتخرّجوا عازفين مهرة، فردًا فردًا، وليس جماعيًّا كما يحدث فى المعاهد الموسيقية التقليدية، لهذا استحق جائزة «أفضل مشروع لتنمية الشباب العربى» التى منحتها له الجامعة الأمريكية.
 
هكذا المثقف العضوى والفنان الحقيقى الذى يعمل على صنع كوادر نوعية تخلُفه فى فنّه وعلمه. الحقُّ أن اسم «نصير شمّة» يكبُر أية درجات علمية ينالها، والحقُّ كذلك أننى حين صافحته لأبارك له حصوله على الدكتوراه، شكرته على اختياره مصرَ الطيبةَ ليناقش فيها رسالته، فنظر لى بعتاب قائلا: «يا عزيزتى، إنها مصرُ!» يتبقى أن أقول إننى كتبتُ قصيدة فى 20 مارس 2003، عنوانها «نصفُ نوتة»، طرحتُ فيها حزنى قائلة إن نصير شمة مسح نصفَ نوتته الموسيقية اعتراضًا على سقوط بغداد. تقول خاتمةُ القصيدة: «وحدَه نصير شمّة/ مَن أفسدَ الخُّطةَ/ إذ اعترضَ على اختيارِ هذا المساءِ تحديدًا/ فحذفَ نصفَ النوتةِ/ ردًّا على قصفِ بغدادْ».

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

التعليقات 7

عدد الردود 0

بواسطة:

أشرف زيدان

فاطمة ناعوت

انت رائعة فلا تجعلى الاعلام يتحدث عنك فأنا كنت أكرهك جدا والآن أكن لك كل احترام وتقدير .... شكرا جزيلا على كتاباتك واسلوبك تلك التى تربطنى بك فقط

عدد الردود 0

بواسطة:

Egy

لا لتبسيط الأمور

درجة الماجستير : لها طرقها وأهدافها، ودرجة الدكتوراة : لها برتوكولها، وأهدافها. فما ينفعش أننا نناقش رسالة "ماجستير" واللجنة تعتبرها : "دكتوراة" ! هذا اسمه : تبسيط للمور العلمية والأدبية والفنية، وسيفتح "بوابة" للولوج الى درجة الدكتوراة قبل أن يشتد صلب الباحث، وستخضع الدرجة للأهواء، ولأختصار سنوات وسنوات لتحضير الدكتوراة. توجد رسائل "ماجستير" قوية، لكن : الهدف من الماجستير ليس هو الهدف من الدكتوراة ! فبلاش ندخل فى هذا الطريق الذى سيؤدى الى "تحلل" قوانين مناقشة الرسائل (ماجستير-دكتوراة) بعد البكالوريوس. فى الخارج : ممكن تعمل دكتوراة "الدولة" بعد "دبلومة الدراسات المتعمقة" مباشرة، لكن العبرة فى : تسجيلك لذلك فى بداية الدراسة والاستاذ المشرف يكتب خطاب بذلك، مش بيناقش "ريبورت الدبلومة" فتعطيه اللجنة درجة "الدكتوراة" ؟ هذا الكلام لا يحدث ولم يحدث فى جامعات فرنسا. كان النظام القديم والذى لا يعمل به هو الآتى : (1) دراسة "دبلومة الدراسات المتعمقة" وهى عدة "كورسات" وسنة بعدها تعمل بحث، (2) التسجيل والحصول على دكتوراة الحلقة الثالثة، ثم (3) التسجيل والحصول على درجة دكتوراة الدولة. لم نسمع ولم نرى أنه فى مناقشة رسالة للحصول على درجة "دكتوراة الحلقة الثالثة"، قررت اللجنة اعطاء طالب الدكتوراة اعطاؤه درجة "دكتوراه الدولة" ! لكن، ممكن من البداية بعد الحصول على درجة الدبلومة فى الدراسات المتعمقة، ممكن التسجيل ودراسة "دكتوراه الدولة". أهداف دكتوراة الحلقة الثالثة تختلف عن أهداف دكتوراه الدولة. فمن فضلكم : بلاش نفتى فى أشياء محصلتش ولا تحصل فى الجامعات الفرنسية ونذكر السوربون ! انهم يخافون على مستوى وجدية جامعاتهم. دكتور حاصل على شهاداته العليا من الجامعات فى فرنسا.

عدد الردود 0

بواسطة:

نشات رشدي منصور / استراليا.

يا استاذ اشرف. ان. ( ....... )

اول. طريق. المحبة. هو. الكره. .. وفي. كونك. دخلت. الي. العمق. فقد تم. لك. التعرف. علي. شخصيتها. البارعة. ... صديقي. من. يود. ان. يصيد. سمكا. كبيرا. لا بد. منه ان. يلق. شبباكه في. العمق. ونحمد الله. من. انك. قمت. بذلك. وان. جاء. متأخرا. بعض الشئ. ... (((((. تحية. لأختنا. فاطمة. ناعوت. ونحن. نقدرها. كمثقفين. ))))). ولها موفور. تحياتي. ..

عدد الردود 0

بواسطة:

فاطمة ناعوت

أسكرك

تحية احترام لك ا. أشرف. فاطمة ناعوت

عدد الردود 0

بواسطة:

نشات رشدي منصور / استراليا.

اعتقد. ان. الاستاذ. نصير. شمة

اجتمعنا. معه. في. رابطة. الفنانين. الاستراليين. العرب. من موسيقيين. وشعراء. حتي. عزيز. الرسام مؤلف. كثير. من. كلمات. كاظم. الساهر. التي. تغن. بها. .. منذ مدة. ليست قصيرة .

عدد الردود 0

بواسطة:

نجاح

إلى Egy إرحمونا من البيروقراطية .. مش كمان في الموهبة

التعليم الأكاديمي إتصمم على مقاس العامة من الناس وهو لا يرتقي لا إلى تعليم ولا حتى إلى فهم الأفداد وعشان كده المعلمين غالباً ما يحطمون النوابغ لأنهم ليس لهم القدرة على استيعابهم. فإدا رأينا يوماً من استطاع أن يثمن هده الجوهرة الموسيقية، ده إحنا نبقى يادوب ابتدينا نعمل خطوة واحدة لتفتيح العقول. أرجو عدم إحباطها لأن ببساطة القواعد اللي تنطبق على العامة لا تنطبق على الخاصة من العلماء والموهوبين اللي تفوق إبداعاتهم هده القواعد بسنوات ضوئية. وشكراً

عدد الردود 0

بواسطة:

نشات رشدي منصور / استراليا

من. نجاح. لنجاح. يا. ". نجاح. "

المشكلة. ان. بعض. المسئولين. لم. تصلهم. معلومة. ان. بعض. الافراد. عمرهم. العقلي. يفوق عمرهم. الزمني. .. وصمموا علي. وضعهم. محلك. سر. .. اما. مدارس. المتفوقين. فهي تختلف عن. مدارس. المفكرين. والعلماء. لانه. ليس. كل. متفوق. عالم. وكل. مخترع. ليس. بالطبع. عالم ولكنه. باحث. وموهوب. وأشكرك. ودمتم. في تقديم. رسالة الغيرة علي اهل. وطنك. .. عزيزي. نجاح. علي. الاقل. لن. يتخرج. من. يقول. اللبن. إياه. ونوم. العازبة. إياها. قول امين .

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة