خالد صلاح

سامح جويدة

حينما تشوهنا الثقافة

الخميس، 08 يونيو 2017 12:00 م

إضافة تعليق
من منا يستطيع أن يختار ثقافة أولاده الآن؟ من منا يستطيع أن يفصل نفسه وأسرته عن الشارع والإعلام والفنون والناس؟ من منا يستطيع أن ينتقى من الثقافة ما يريد وأن يتجنب ما لا يريد؟
 
الحقيقة المرة أنك لا تختار ثقافتك بل تجبر عليها.. فلو وضعت جاهلا فى مجتمع مثقف ملىء بالقيم والفنون والعلوم والأخلاق والجمال، لتبدل فى فترة قصيرة وفهم وتعلم والتقط مما حوله حتى يصير مثلهم ويتلاءم معهم، والعكس صحيح فحينما تطغى على مجتمع ثقافة الغوغاء وفنونهم وأخلاقهم وينصهر الناس فى زحام الفقر والجهل والقبح لا تنتظر أن يخرج من بينهم مثقفين حقيقين أو مبدعين أو حتى مسؤولين متميزين، لذلك فالثقافة حظوظ قد ترفعك إلى قمة الترف أو تلقى بك فى قاع القرف، فقد يرغمك المجتمع على أن تسمع فنون القبح والجهل والعفن فتضج المقاهى والمحال والشوارع بأغانى المهرجانات بألحانها المستفزة وضجيجها المزعج وكلماتها المبتذلة ومعانيها المعوجة وأصواتها المقيتة، وتضطر أن تسمع هذا الهراء وأن تعتاد عليه ثقافة أبنائك.
 
أنا شخصيا كان لى تجربة فى مقاومة هذا الغناء المسموم، فكنت أعترض على تشغيل هذه الأغانى فى أى مكان أحضر فيه مع أولادى مطعم أو مصيف أو نادٍ وصلت المقاومة إلى حد الشجار مع أصحاب تلك الأماكن، ولكنها انهارت حينما اكتشفت أن ابنى الصغير يحفظ هذه المهرجانات ويغنيها باستمتاع!
 
وقفت مذهولا بين أن أعنفه فيتمسك بها أكثر أو أن أترك ذوقه الفنى لبوادر هذا الانحدار، واكتشفت أننى عاجز تماما عن تشكيل معظم ثقافة أطفالى، اكتشفت أن كل النصائح الملهمة التى نرددها بالساعات ليتعلم أبناؤنا الذوق والجمال والأخلاق تصبح هشة أمام دراما مسلسل ناجح يبهر الأطفال بسفاح أو بمجرم أو حشاش ويجعلهم معجبين بشجاعته فى الجريمة أو دمويته فى الانتقام أو تلذذه بالحياة والنساء، اكتشفت أن أصوات الشتائم والسباب والعراك والمعاكسات فى الشوارع أعلى بكثير من أصواتنا فى المنازل، وأن ثقافة الزحام والعنف تسيطر على ثقافتنا قبل أن تنهب فى عقول أطفالنا، اكتشفت أننا اعتدنا فجأة على شكل الزبالة فلم نعد نتأفف أو نتوقف عن التنفس حينما نمر بتلال القمامة أو جبال القاذورات، لم نعد نستغرب من «بجاحة التكاتك» أو غباء المكروباصات أو قذارة العربجية أو أشكال البلطجية، لم نعد نتعجب من كوارث المرور أو غش الدواء أو فساد الغذاء والمئات الذين يموتون كل يوم فى جرائم سوداء، لا نهتز الآن كثيرا أمام حوادث الاغتصاب أو انتشار التحرش أو أخبار الشذوذ وزنا المحارم أو تجارة الأعضاء البشرية.
 
كل هذه الكوارث أصبحت تشكل ثقافة هذا الوطن تحرك سلوكنا وترسخ فى أذهان أبنائنا وترسم ملامح لمستقبل بلادنا، لا أعرف متى بدأت ظواهر هذا الانزلاق المميت، هل بدأت مع الطعنات التى وجهتها ثورة 23 يوليو للمفكرين والمبدعين والحرية أم مع الانفتاح بكل مبادئه المغلوطة ونتائجه الكارثية أم هو عصر الفساد و«الرقصمالية» الذى نحاول أن نتخلص منه الآن، إلا أن المؤكد أننا وعلى مر أجيال كثيرة تهاونا فى مواجهة هذا المسخ حتى توحش وشوه كل جميل فى حياتنا، وجعلنا نعيش فى سجن من الخوف والقلق، وبكل أسف لا أملك أى حلول لمواجهة هذا الخطر ولا عندى أدنى أمل فى الانتصار عليه الآن، ولكن إذا كان ولابد أن نحترق فلا بديل عن الصراخ.

إضافة تعليق




التعليقات 2

عدد الردود 0

بواسطة:

صلاح

لك الله يا مصر

مقال اكثر من رائع

عدد الردود 0

بواسطة:

أم رامى

واحنا المثقفين

ثقافة ايه يا اخوى شوف الناس المثقفين بيشحتوا دلوقتى ومش لاقيين ياكلوا نص الشعرا لسعوا والباقى بيشاور نفسه وعندنا الحاجة ليلى فوتو شوب والحاج عزت اضحك الصورة تطلع حلوة مشهييينا الحوافز والمرتبات وقاعدين على قلبنا فى سينا محدش قادر عليهم

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



الرجوع الى أعلى الصفحة