خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

محمد حبوشه

وحيد حامد.. جرأة النص الأكثر واقعية !

الجمعة، 02 يونيو 2017 07:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
بغض النظر عن الحشد الهائل من المراجع التاريخية التي اعتمد عليها السيناريست الكبير والمخضرم "وحيد حامد" في صياغة حلقات "الجماعة 2" والتي تقترب من 39 كتابا من مختلف التيارات السياسية والدينية في مصر، فإن ثمة رسائل عديدة تبدو واضحة في جرأة نصه السردي الأكثر واقعية، مفادها أن العنف وكراهية المجتمع كان ومازال ديدن هذه الجماعة الكريهة التي لاتؤمن إلا بذاتها ولا ترى غيرها كمعادل موضوعي لما يسمونه بالخلاقة الإسلامية على وجه المعمورة، ولعل الكاتب قد حالفه الحظ إلى حد كبير في انتقاء ما يصلح تماما لبناء سيناريو محكم، كتبه بعناية فائقة كي يوثق فيه لجرائم الإخوان وتآمرهم على الوطن، حيث يكشف بعضا مما حقق فيه من مواقف تاريخية، مازالت حتى اليوم- رغم مرور هذه العقود - محل جدل.
 
يحسب لحامد هنا أنه استعان بفريق بحث برئاسة الدكتور حمادة حسني، وهو نفس المؤرخ الذي سبق وأن شارك أيضا بمجهوده البحثي في الجزء الأول من نفس المسلسل، وكتب مقالا بعد عرض ذلك الجزء الأول، قال فيه عن المسلسل: "كان لى شرف مراجعته تاريخيا، فحرصت على إعادة قراءة السيناريو (1200 ورقة) أكثر من مرة"، مؤكدا أن وحيد حامد "فضّل أن يكتب دراما تاريخية مباشرة، ولم يقم بتمرير الأحداث التاريخية فى إطار اجتماعى، كما يحدث فى بعض الأعمال التاريخية، ذلك مكنه من تركيز فكرته وتقديمها بشكل مكثف". 
 
ويبدو لي واضحا منذ بداية نقطة الانطلاق في سياق الأحداث المشغولة بشغف شديد يجبرك على متعة المشاهدة دون عناء، أن أسلوب "حامد" الذي عمده في كتابة هذا النوع من "الجماعة2"، قد نجح إلى حد كبير في تركيز الفكرة المحورية للعمل فعلا، عندما أدرك كيفية الدخول بوعى وحكمة في عقل ووجدان التاريخ السري للتنظيم المشئوم، ليكشف لنا ذلك الغطاء الزائف الذي كان يحكم عقيدة العنف التي انتهجوها منذ النشأة الأولى، استنادا لنهج "ميكافيلي" في أن "الغاية تبرر الوسيلة" كي يصلون لمآربهم بمبررات الدين في خدمة السياسة، ولقد ساعد "حامد" في ذلك الأداء الاحترافي من جانب فريق العمل الذي أداره بمهارة المخرج "شريف البنداري" كما ظهر لي خلال الأسبوع الأولى من المشاهدة.
 
وهنا لابد لي من التوقف أمام ذلك المشهد الطويل الذي جمع المبدعة "صابرين" في تجسيدها لشخصية "زينب الغزالي" مع إياد نصار"حسن البنا"، والذي أراه من وجهة نظري "ماستر سين" الحلقات السبع الأولى كاملة، لأن "صابرين" في هذا المشهد تحديدا قد امتلكت قدرة فائقة على أن تظهر الجوانب الكامنة لشخصية "الغزالي" من الداخل، مايؤكد صدق رؤية السيناريو من ناحية، ومن ناحية أخرى يشير إلى دراستها المتأنية للشخصية من كافة النواحي قبل تقديمها، إضافة إلى الماكياج وإتقان اللغة العربية الفصحى، وهو ما تجلى في تجسيدها على النحو المطلوب بإظهار صفات الحقد والتسلط والعقد النفسية التي تعترى واحدة من أعتى أركان التنظيم النسائي سوداوية، وذلك دون أن تثير الشفقة في نفوس المشاهدين، أو تترك أثرا ولو طفيفا من التعاطف، حين بدت شحيحة في مشاعرها الدفينة في حوارها مع "البنا" وقت أن قدمت له البيعة بابتسامة مقتضبة لاتعكس حجم الفرح الداخلي، بقدر ما تظهر روح المعاناة والاضطرابات والمشاكل الذهنية، وفي نفس الوقت حافظت على عدم الدخول في دوامة الصراع النفسي للشخصية كي تحكم السيطرة عليها ، الأمر الذي كتب براعة "صابرين" في هذا المشهد حيث كشفت أمام جمهورها عن تناقضات الصفة الاجتماعية التي تحملها تلك الشخصية، وهذا عناه "بريخت" تماما بمفهوم (التأرخة)، أو ما يعرف على المستوى الفكر السياسي المادي بالجدل المادي التاريخي، لذلك ارتكزت الجمالية في أدائها الملحمي على ثنائية الجمال والقبح أو الروعة والتشويه - حسب بريخت - فلا جميل إلاّ وهو توأم للقبيح، من هنا فلا صحة للحكم على موقف ما أو فعل ما خارج إطار النظر الموضوعي لعلاقة الشيء وضده في وحدة الموقف أو تلك الصورة، فكل انكسار لطرف أو انتصار لطرف في صراع ما يؤدي إلى تطور أسلوب أداء الشخصية، وهو ماحققته "صابرين" على نحو ممتاز.
 
ربما نجح البندراي في الاستعانة بخبراء فى الماكياج من إيطاليا ، لتبدو لنا معظم الشخصيات المحورية صورة طبق الأصل مثل شخصية " زينب الغزالي - حسن الهضيبي - سيد قطب – الملك فاروق .. وغيرهم" ولكن الأمر اختلف إلى حد ما مع شخصية "عبد الناصر"، فعلى ما يبدو إنه رأى ضالته المنشودة في الفنان الأردني"ياسر المصري" مستندا إلى قاعدة أننا لا نطلب ممثلاً يؤدى دور "عبد الناصر" بقدر حاجتنا لممثل يقدم "روحه"، وهو ما أجاد فيه "المصري" ليؤكد أن المسألة ليست في الشبه، بقدر ما هو تقديم الجديد الذى لم يتطرق إليه أحد من قبله، وبالتالي امتلك قدرة خاصة في إبراز الشخصية القوية النافذة على جناح واقعية الفعل التمثيلي، ومن ثم أصبحت الشخصية حاضرة بتفاصيلها الدقيقة أمام المشاهد.
 
يرى البعض أن حرفية الكاتب والسينارست الكبير في رسمه لملامح الشخصيات المحورية للعمل ربما قد توقعه في براثن التعاطف معها في بيانه لتحسين صورتها في المعالجة الدرامية، لكن يبدو الأمر مختلف مما لمسته من آراء الجمهور الذي تفاعل مع حلقات المسلسل، فثمة وعي كبير لديه في إدراك حقيقة وجوهر هؤلاء الناس، وليست الغلبة هنا لـ "حديث الجسد حتى ولو كان بلغته الأصلية" كما يبدو من جانب الممثلين الذين أجادوا التعبير بصدق في أدائهم مثل "عبد العزيز مخيون" الذي لعب دورا استثنائيا في شخصية "حسن الهضيبي"، والذي يقترب فيه من منهج "ستانسلافسكي" القائم علي المصداقية بالتركيز على توحد الصفة الداخلية مع الصفة الخارجية للشخصية في أداء الممثل للدور، حتى أن تعبيره التمثيلي بدا مناظرا تماما لتعبير "الهضيبي" نفسه في الحياة الطبيعية المعيشة، وذلك مجاولات إحلال صوت الشخصية محل صوته وإحلال حركتها الجسدية محل حركته، منتفعا من تحليله الخاص لعلاقاتها ودوافعها في الحدث الدرامي مستعينا بالتغذية المعرفية والتخيلية والانفعالية الراجعة لاجتهاده الشخصي.
 
نحن في الواقع أمام عمل يعد "درة التاج" في دراما رمضان هذا العام، ليس لأنه بتوقيع "وحيد حامد" المعروف بلغته السحرية في الكتابة الدرامية الناضجة فحسب، ولكننا أمام كوكبة من نجوم من وزن ثقيل مثل "صابرين - عبد العزيز مخيون - سناء شافع – محمود الجندي - رياض الخولي - إسماعيل محمود"، فضلا ممثلين أكفاء من جيل الوسط مثل " نضال الشافعي – محمود البزاوي – رمزي لينر- أحمد عزمي" وغيرهم من الشباب الذين ننتظر منهم مباراة ممتعة في الأداء، خلال الحلقات القادمة، كما لمست من مشاهداتي المتكررة للحلقات الأولى، وقد لاحظت أن عددا كبيرا من هؤلاء استطاعوا استقطاب شرائح مختلفة من الناس، وبنوا علاقات غير مباشرة مع جمهور أصبح يدرك طبيعة الممثل الجيد الذي يملك قوة وسحر التأثير على الآخرين إلى درجة الهيمنة عليه، ونسيانهم بأنهم إزاء مشاهد تمثيلية، والتفاعل المباشر مع وقع الأحداث المؤلمة التي تتمثل أمامهم في تماسها مع الواقع الأليم الذي نعيشه حاليا على وقع أقدام جماعات العنف والتطرف والإرهاب التي تستهدف مصرنا الغالية.
 
ويبقى لنا أن نتأمل قول "نيتشة" بأننا: "لا نستطيع أن ننقذ أنفسنا من الفناء إلا عن طريق الفن"، أجل إنه نيتشه الذي استطاع ببراعة أن يقول تلك الجملة بالغة الجرأة، ونحن نتوق حقا إلى عالم من فن حقيقي لأمثال : وحيد حامد، ويسري الجندي، ومحفوظ عبد الرحمن، وكرم النجار، ومحمد جلال عبد القوي، وعلى  الأخص منها تلك الأعمال التي تحمل جزءا من  تاريخنا، ولنتذكز جيدا أننا عندما نشاهد فيلما سينمائيا أو دراميا قديما الآن فإننا ننظر إلى مرآة ذواتنا في سطوعها, إنها المرآة الأكثر وضوحا من أي مرآة أخرى, إنها المرآة التي لا غبار عليها, عندما كانت الجرأة أكثر مصداقية وأكثر قربا إلى الواقعية، لذا فقد شاهدناها فيلما فيلما, مسلسلا مسلسلا، ومشهدا مشهدا , ولقطة لقطة , ومونولوجا مونولوجا , وتصويرا تصويرا,  وإيقاعا إيقاعا، لأن ذلك كله كان يشكل الحقيقة الأبعد والأكثر رحابة وعمقا من أي حقيقة أخرى شاهدناها ولمسناها وتحسسناها.
 
وأخيرا وليس آخر: ليس بوسعنا أن نقول عن أصحاب الاختراعات والمكتشفات السلبية في تاريخ الإنسانية أنهم أناس أغبياء، فالذي يستطيع أن يبتكر الفيروسات الانترنيتية، والذي ينجح في عمليات القرصنة المصرفية، والذي يبتكر أسلحة الدمار الشامل، ومزوّر العملات، هم أناس أذكياء، بيد أنهم يوظفون هذه المواهب لإلحاق الأذى بالناس، بدل تقديم النفع لهم.. مالك موهبة التمثيل لايقل ذكاء عن أولئك الذين يتركون أثرا في الناس سواء بالسلب، أو بالإيجاب .. إذن تأملوا معي مليا في دراما رمضان لهذا العام.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة