صدرت جريدة «أخبار اليوم» يتصدر صفحتها الأولى عنوان من أربع كلمات فقط يقول: «ترومان «الرئيس الأمريكى» يبحث مسألة مصرية».
كان ذلك صباح يوم 29 إبريل «مثل هذا اليوم» من عام 1950، حسب تأكيد الكاتب الصحفى رشاد كامل فى كتابه «الملكة نازلى غرام وانتقام» عن «دار المنتدى- القاهرة»، مشيرًا إلى نشر «أخبار اليوم» على لسان مراسلها فى واشنطن سطورًا فى غاية الخطورة والأهمية تقول كلماتها: «عُلم أن إجراء خطيرا جدا على وشك أن يُتخذ فى القاهرة، وأنه سيذاع فى بيان رسمى من الحكومة، وقد وصل إلى الولايات المتحدة فجأة موظف كبير يحمل نبأ هذا الإجراء وأحيط سفره بكتمان شديد، وكانت السفارة المصرية فى واشنطن مركز نشاط خطير، وقام كامل عبدالرحمن بك، السفير المصرى، بعدة اتصالات، واشترك فى هذه الاتصالات بعض كبار موظفى السفارة فى واشنطن، وقد بُذلت محاولات جبارة لتفادى هذا الإجراء الخطير، وتلقى وزير الخارجية برقية سرية جدا من «مستر كافرى» سفير الولايات المتحدة فى القاهرة، وأحيطت هذه البرقية بكتمان شديد».
وأضافت السطور: «وعقد مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط الدكتور جورج ماجى اجتماعا مع مساعده ريمون هير، وعلمت، أى مراسل أخبار اليوم، أن البرقية المهمة أرسلت إلى مستر ترومان للاطلاع عليها، واقتضى ذلك مراجعة الدستور الأمريكى، واتصل رفعت النحاس باشا «رئيس الحكومة» من القاهرة تليفونيا بالولايات المتحدة بعد منتصف الليل، وجرى بينه وبين شخصية موجودة فى أمريكا حديث خطير قال فيه: «إن للشعب والبرلمان والحكومة وجهة نظر حاسمة فى مسألة معينة، وإن عدم قبول وجهة النظر هذه والنزول عليها سيؤدى إلى أوخم العواقب، وإن الإجراء الكبير الذى سيتخذ شىء يؤسَف له حقيقة، ولكن تمليه مصلحة الدولة، وجرى اقتراح أن يدعى البرلمان إلى جلسة سرية لبحث هذه المسألة، ولكن النحاس باشا رفض هذا الاقتراح، ولايزال الموقف يتطور من دقيقة إلى دقيقة».
القضية الخطيرة التى كانت تدور فى الكواليس، ولم تفصح «أخبار اليوم» صراحة عنها، فضحها خبر من سطر واحد، نشر حسبما يقول رشاد كامل، فى نفس العدد، وهو أنه تم تقديم: «طلب بالحجر على شخصية معروفة موجودة فى الخارج»، ويؤكد كامل: «كانت الملكة نازلى «أم الملك فاروق» هى المقصودة والمعنية والمستهدفة من النشر، وأصبحت حكايتها وابنتيها «الأميرتين، فايقة وفتحية» حديث الناس فى مصر، وكانت «أخبار اليوم» لصاحبيها مصطفى وعلى أمين هى الطريق الوحيد لمعرفة ما كان يدور فى الكواليس سواء فى مصر أو أمريكا.
كان ما يدور فى الكواليس يتعلق بزواج «فتحية» من رياض غالى، وهى قصة تعود إلى عام 1946 حسب الرسالة التى رفعها «فاروق» إلى «مجلس البلاط» يوم 12 مايو 1950، ويأتى بنصها محمد حسنين هيكل فى كتابه «سقوط نظام» عن «دار الشروق- القاهرة»، وفيها أن «نازلى» كانت مقيمة فى أمريكا وقتئذ، وسافرت إليها من أوروبا التى تعرفت فيها على «رياض غالى أفندى» الموظف بالسفارة المصرية فى فرنسا، وتولدت علاقة بينه وبين فتحية، تطورت إلى زواجهما بالرغم من أن «رياض» مسيحى الديانة، وقال فاروق فى رسالته إلى مجلس البلاط: «اعتزمت جلالة الملكة «نازلى» أن تزوج شقيقتنا الأميرة فتحية التى لم تبلغ سن الرشد بعد، ولاتزال تحت الوصاية إلى الآن، بمن يدعى «رياض غالى» المسيحى الذى دلت التحريات على سوء سيرته، ولما علمنا بما اعتزمته جلالة الملكة الوالدة بذلنا جميع المساعى الممكنة لمنع هذا الزواج قبل وقوعه، وساهمت الحكومة كما ساهم سفيرنا فى أمريكا بنصيب موفور فى هذه المساعى، ولكنها مع الأسف الشديد لم تؤد إلى نتيجة، وأود أن نقف على ما يشير به المجلس من إجراءات».
وفى 27 مايو 1950 طلب فاروق الحجر على أمه «نازلى» وشقيقته «فتحية»، وقبل هذه الخطوات من الملك كانت «أخبار اليوم» فى قلب الحدث منذ شهور طويلة، بدأ كما يشير «كامل» بحوار على صفحاتها يوم 6 أغسطس 1949 أجراه مصطفى أمين مع نازلى، وأدى إلى غضب الملك وطلبه من وزير الداخلية حسين باشا سرى بمصادرة «أخبار اليوم» فى المستقبل إذا أشارت بالتصريح أو التلميح إلى أنباء نازلى أو إخوته، فجاء التقرير المنشور يوم 29 إبريل بعنوان «ترومان يبحث مسألة مصرية»، ولكن بصياغة أخرى لم يتم فيها ذكر الملكة ولا الأميرتين صراحة.