خالد صلاح

الانبا ارميا

"اختفاء الشريد"

الجمعة، 28 أبريل 2017 10:00 م



إضافة تعليق

أرسل إليَّ أحد القراء الأعزاء تعليقًا على المقالة السابقة، يقول في بعض كلماته: "... وإن كنتُ أسعدُ أنك تتحدث دائمًا عن الأشخاص الذين يقدمون الخير، إلا أنه يجب أيضًا أن تتحدث عن أولٰئك الذين لا يقدمونه، بل يؤلمون الآخرين، وكيف أنهم يَضُرون، ليس فقط الآخرين، بل أنفسهم أولاً ... لذٰلك أرسلتُ إليك فيلمًا قصيرًا ـ لا أعرف صور في أيّ بلد ـ ربما يكون أحد بلاد شرق آسيا ـ حيث اكتشف أحدهم بعد فوات الأوان كم كان مخطئًا في حق أحدهم! ولك سلامي وتحياتي.". 
 
يعرض الفيلم، الذي لا يتعدى بضع دقائق، مِنطقة مَحالّ حيث يقوم أحدهم بفتح محله في الصباح ليجد مِسكينًا شريدًا لا مأوى له وهو نائم أمام باب محله، فيَركُله بقدميه ويصرخ فيه أن يرحل بعيدًا عن المكان!!! ويُسرع المِسكين بعيدًا لكيلا تناله رَكَلات أخرى. ولٰكنه يعود مع المساء لينام أمام ذٰلك المحل!! وتتكرر ملامح كل يوم مثل سابقه: بين طرد صاحب المحل للمِسكين بركلاته، أو بإغراقه بالمياه المقذوفة عليه، أو بصرخاته فيه ليبتعد؛ ثم عودة ذٰلك الشريد مرة أخرى. 
أمّا عن موقف أصحاب المحال الأخرى، فقد كانوا يرفضون معاملة الرجل القاسية لذٰلك المِسكين، ولٰكن ليس لهم أن يتدخلوا ويمنعوه!! ويأتي يوم يفتح الرجل محله، ويستعد مثل كل يوم للصراخ في المِسكين النائم، لٰكنه لم يجده فتعجب قليلاً؛ وفي اليوم التالي، لم يرَه أيضًا، وهٰكذا توالت الأيام حتى انقطعت رؤيته وبدأ يفكر فيما عسى قد حدث له، ولِمَ لم يعُد. 
وفي ذات يوم، بينما صاحب المحل يفكر في أمر اختفاء ذٰلك الشريد، وقعت عيناه على الكاميرات المثبتة خارج المحل، فبدأ يستعرض مشاهدها المسجلة وأحداث الأيام الماضية، فرأى نفسه: وهو يطرد، ويركُل، ويصرخ، ويقذف المياه على ذٰلك المِسكين، وكيف كان يئن ألمًا من قسوته، ثم رآه في مشاهد ليلية عديدة نائمًا أمام المحل بعد إغلاقه مانعًا بنومته تلك لُصوصًا من كسر المحل وسرقته مرارًا كثيرة، بل كيف أن ذٰلك المسكين كان يتشاجر مع أولٰئك الذين يُلقُون بالمهملات أمام المحل، بل يقوم بتنظيف المكان!! ثم رأى البعض يَحنون عليه ويقدمون له الطعام في محبة إنسانية بالغة، بل لم يصدق عينيه وهو يرى اللصوص في ليلة يحاولون اقتحام المكان ويمنعهم المِسكين فيطعنونه ليموت!!! وهنا انسابت دمعات ندم: لقد أدرك الرجل كم هو مديون لذٰلك الإنسان الذي لم يرَ منه يومًا واحدًا، بل لحظات، عطفًا أو شفقة أو رِثاءً لحاله. 
 
هٰكذا تمضي الحياة، وبينما يسير الإنسان خطواتها، يلتقي أشخاصًا هو لا يرغب وجودهم في حياته، معتقدًا أنهم لا يستحقون، أو لا فائدة من وجودهم!! بل من الجائز أن يعتبر وجودهم سلبيًّا ! فيحاول إبعادهم: أحيانًا بسؤالهم أن يرحلوا، وأحيانًا أخرى بكلمات قاسية، أو بإهانات .. إلخ. وحين يرحلون يكتشف الشخص كم كان دورهم نحوه مفيدًا داعمًا، في الوقت الذي اختار هو أن يكون قاسيًا بلا رحمة. إلا أن قسوته وعنفه سيمنعان عنه بركات كثيرة لا يدركها، وسيَضحَيانِ وقود لهيب يحرق حياته هو أولاً. لذٰلك، كُن إنسانًا من أجل نفسك أنت أولاً.

إضافة تعليق




التعليقات 1

عدد الردود 0

بواسطة:

الشعب الاصيل

ما أكثر الماسي

ما أكثر مآسي الحياه التى نعلمها بعد فوات الاوان...وهنيئا لأصحاب الضمائر الرحيمه والنفس اللوامه

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة