خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

فاطمة ناعوت

مّن فجّر الكنيسة قبل أن أجدل السعف؟

الأحد، 16 أبريل 2017 10:00 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
الأحد الماضى، أهدونى عيدانَ سعفٍ بكرٍ من نخيل أخضرَ، وورودًا بيضاءَ من حدائق قلوبهم، تكفيى لأُشيّد مدينةً وارفةً من المحبة. ثم كسوا أرضَ مصرَ بدمائهم البريئة وهم ناظرون إلى السماء يُصلّون. واليوم يحتفلون بعيد القيامة المجيد، بعد أسبوع الآلام الذى علّمنا فيه أقباطُ مصر، كيف يزدادون تحضرًا وسُموًّا، ومحبة، وغفرانًا.
 
حدث أن غادرتُ القاهرة إلى دولة الإمارات قبل أسبوعين. فتزامن وجودى هناك مع أحد السَّعف، أو «عيد الزَّعف» كما كنّا نسميه حين كنّا صغارًا نجدل عيدانَه معًا فى مدارسنا، مسلمين ومسيحيين، لا تُفرّق بيننا عقائدُ، وتجمعنا مصرُ فى قلبِها على رباط المحبة الأبدى. يحمل لى هذا العيدُ ذكريات طفولية طيبة، شأنى شأن كل المصريين من جيلى ومن الأجيال السابقة، وربما اللاحقة.
 
عشيةَ العيد، الأسبوع الماضى، كنتُ قد تأخرتُ فى الحصول على شىء من سعف النخيل، لأجدل بعض الأشكال الجميلة التى أُهديها إلى أطفالى وأصدقائى وأُزيّن بها جدران بيتى، كما تعوّدتُ منذ طفولتى وحتى هذا العام. لم أخلف عهدى مع السعف عامًا، ولا أخلف السعفُ عهدَه معى فى أى عام.
 
عصر السبت قبل الماضى، اتصلتُ بالأستاذ رأفت إسكندر، سفير النوايا الحسنة بالأمم المتحدة، صديقى المصرى المقيم بالإمارات، وطلبتُ منه بعضَ عيدان السعف من أجل الغد. فقال لى: «انسى.. السعف كله خلص من إمبارح!» كانت الساعة تقترب من الخامسة عصرًا، ومضى بائعو السعف إلى بيوتهم، بعدما نفدت بضاعتُهم. ولما لمح الحزن فى صوتى، أخذنى فى سيارته وأسرع إلى كاتدرائية الأنبا أنطونيوس للأقباط الأرثوذكس، بمدينة أبوظبى، وهى كنيستنا المصرية بدولة الإمارات، فى محاولة يائسة للحصول على سعفة أو اثنتين. وهناك التقينا بأشقائنا المصريين الذين فرحوا بوجودى، وبهم شعرتُ أننى فى مصر. ومن حقيبة كل منهم، كانت تُطلُّ باقات من عيدان السعف، يُخبئها عن العيون، حتى يختلى إلى نفسه فيجدل لأسرته ولأصدقائه تمائم خيرٍ للعام الجديد. كانوا كرماءَ حين عرفوا سؤالى. فتبرّع كلٌّ منهم بحزمة، حتى صار لدىّ ما يكفى لبناء مدينة خضراء من المحبة، ثم أهدانى السفير رأفت وردةً بيضاء مضفورة فى جريدة سعف، لأُكمل مدينتى.
 
فرحتُ بكنزى الوفير الذى فاق ما تمنيت. فحملتُه جرّتى ووقفتُ عند ساحةٍ مظلّلة، يلتقى عند جناحيها مسجد وكنيسة، حيث يقفُ المسلمون والمسيحيون يتصافحون ويتمنى بعضهم لبعض فيضًا من رضوان الله وبركته. أبهجنى المشهدُ، فالتقطتُ بعض الصور. وانتظرتُ حتى أشرق يوم الأحد لأكتب على صفحتى هذا البوست:
 
«هنا الإمارات فى أحد السعف، دى الكاتدرائية المصرية فى أبوظبى، يجاورها مسجد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. الجميع بيتقابلوا يسلمول على بعض ويبتسموا على بعض ويهدون بعض ورود، وبعدين يدخلوا يصلوا كل واحد فى دار عبادته. ولما يخرجوا يسلموا على بعض تانى ويبتسموا لبعض تانى ويروّحوا وهما مبسوطين وفرحانين». مسجدٌ ليس عليه حراسة. كنيسة ليس عليها حراسة. فى هذا البلد الجميل، عباد الله يعبدون الله، كلٌّ وفق معتقده دون أن يخاف بعضُهم البعضَ، أو يُخيف بعضُهم البعضَ، أو يبغض بعضُهم البعضَ. الكلُّ يحب الكلَّ، والكلُّ يأمن الكلَّ، لأن الجميعَ يحبون الَله فيحبون خلقَ الله. لا حراسة على أى دار عبادة هنا، حتى المعبد الهندوسى والمعبد البوذى بلا حراسة، لأنه لا تهديد ثمة، فكل إنسانٍ حرٌّ ويحترم حرية الآخر، هنا بالإمارات مجتمعٌ صحى، مجتمعٌ طبيعى، وتلك الأمور عادية، غير العادى هو وجود فرد أمن مسلح يحمى دار عبادة! يحميها ممَ؟! لماذا هى مهددة أصلا؟! معلش.. بكرا أجمل بإذن الله يا مصر». ثم أنهيتُ كلامى بأمنية تقول: «كل سنة وأنتم طيبين وأحد سعف جميل عليكم وعلى مصر الحلوة».
 
لم أكن أدرى أن ذلك الأحد لن يكون جميلا على مصر. ولم أكن أدرى أننى لن أجدل السعف لأول مرة فى حياتى. بعد نشر البوست بدقائق بدأت الأخبار الكابية تتقاطر فوق رأسى تقاطرَ صخور جبل يتصدّع فوق غصن نحيل. شهداءٌ مسيحيون جددٌ، كانوا قبل برهةٍ أحياءً يصلّون لربّهم آمنين فى كنائسهم. صائمون ينتظرون عيدهم الذى يحلُّ اليومَ، وقد أشرق على وجوههم وهم فى رحاب الله ورحمته. مادت بى الأرضُ وعشت يومين من أعسر ما مرّ بحياتى. ولم أستردّ أنفاسى إلا بعدما كتبتُ «إقرار الذمّة» الذى قرأتموه على صفحتى الأحد الماضى، وأهديته إلى أقباط مصر الذين قال فيهم القرآن: «وقَفَّيْنا بِعِيسَى ابنِ مريمَ وَآتَيْنَاه الإنجيل وجعلْنَا فى قلوبِ الذين اتَّبَعُوه رأفةً ورحمة». من أين يأتون بكل تلك الرأفة والرحمة والمغفرة لمن أساء؟! هى من عند الله.
 
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل ويفعلُ السفهاءُ منّا فى حقّ أقباط مصر. اللهم افصل بيننا وبين لصوص الفرح الذين يُحولون أعيادنا جنائزَ ومراسم عزاء، الذين خضّبوا السعفَ الأخضر بقطرات الدم البرىء.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

التعليقات 8

عدد الردود 0

بواسطة:

Nabil

كم هي جميلة روحك

لا اجد من الكلمات ما يعبر عن شكري لروحك الطيبة الله يبارك في حياتك

عدد الردود 0

بواسطة:

عابد

تحت

حسبي الله ونعم الوكيل

عدد الردود 0

بواسطة:

raafatiskander@yahoo.com

حب جارف

حب جارف داخل القلب...ونهر من النقاء لينهل منه كل عطِش...تقديري واحترامي لكِ يا استاذة الاساتذة.

عدد الردود 0

بواسطة:

ياسر حجازي

من فجر الكنيسة يا فاطمة ناعوت

مغامراتي في الاسكندرية مع الرهبة الجميلة الشابة وكانت تلبس الابيض في محطة الرمل قلت لة انتي جميلة جدا فالماذا لا نتزوج قالت لي انت شاب طموح وطيب لكن هل تومن بشعب المسيحي قلت لة انا اومن باللة والوطن لجميع قالت لي ابحث عن علي راهبة اخري قلت لة انا كنت من سكان العباسية واعرف ان الرهبة لا تتزوج لكن انتي جميلة جدا جدا جدا وانا مستغرب لماذا انتي راهبة وشكرا بحبك ياشذي

عدد الردود 0

بواسطة:

جمعة

رائعة كعادتك سيدتى

السيدة الكاتبة المحترمة / فاطمة ناعوت كل عام وسيادنك وأسرتك جميعا بخير وصحة وسعادة .... وليس بغد كلامك ينفع حد يتكلم .

عدد الردود 0

بواسطة:

نشات رشدي منصور / استراليا

عزيزتي الكاتبة. فاطمة. ناعوت. .. وكلام. الحق. لابد. ان. يقال ..................

لقد. جاء. قلمك. في. الوقت. المناسب. الذي. تحتاج. فيه. مصر. لمداد. الحب. والوفاق. الإنساني. .. الحب. الذي. يبني. الدول. القوية. وليست. إلهشة. التي. تتقاذفها. رياح. الدخلاء. مصر. السيسي. حفظها. وحفظه الله. . ان. الذي. يحب. بلده بحق. يخاف. عليها. حتي. من. اقل. رياح. مضادة. اي. كان. كنهها. . عزيزتي. فاطمة. عندما. اركن. للراحة. افكر. في. مصر. وعندما. اذهب. لسريري أخذها. معي. واضعها في. قلبي. وبين. أحضاني. بشوارعها. وناسها. واسمع. صوت. الأذان. مع. صوت. أجراس. الكنائس. معا. ولا. استطع. ان. افرق. بينهما. أبدا. مثل. التوام. ... ولا غرابة. في. ذلك. لان. نبع. العطاء. واحد. اما التفرقة فهي. من. الشيطان. الذي. يبحث. في. سجلاته. عما. يقلق. راحة. هذا. الوطن. الأمن. والأمين. والذي. تبارك. بأقدام. السيد. المسيح. له. كل. المجد. . ان. ايام. الانسان. تجئ. وتمر. ومعها. العمر. وفي. النهاية. تكون. المفاضلة. بين. انسان. واخر. في. المقام. الاول. تقواه. وليس. اي. شئ. اخر. .. لو تم عنتي. عزيزتي. فاطمة. لمعن خوص. النخيل. لحالتين. علي. ان. الجسم. يعني. جسم. مصر. اما. الاوراق. فهي. تعني. الشعب المصري. الذي. قدم. علي. مر. ايام. التاريخ. ما. لم. يقدمه. اي. شعب. اخر. .. اشكرك. جداً. علي. مقالك. الهادف. انها. أيام. صعبة. ولكنها. ستمر. وكل. ما نطلبه ان. سعف. النخيل. الا. ينضب. معينه. وثمار النخيل. تظل. تعطينا. احلي. بلح. في. الوجود. بلح. المحبة تحت ظلال. اوراق النخيل. بإذن الله .

عدد الردود 0

بواسطة:

مصرى

كم انت رائعة

جقا هذا القلب لا يعرف سوى المحبة والانسانية حقا انك انسانة جميلة وربنا يهدى ويسامح من عذب ودمر ناس ابرياء لا تعرف ولا تدخر سوى المحبة فى قلوبها

عدد الردود 0

بواسطة:

أحمد عزت

أحسنت ا/ فاطمه

لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين أن تبروهم وتقسطوا إليهم. صدق الله العظيم. الآية لعموم جنس البشر. هي السماحة الالهيه. اللهم احفظ مصر وأهلها وأنزل عليهم السماحة والرأفة.

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة