قبل 15 عاما من الآن، وتحديد في شهر يناير 2002 ، كنت في زيارة للعاصمة الأمريكية "واشنطن" ضمن 18 صحفيا مصريا، من خلال دورة عن "الاقتصاد المصري والعولمة"، وكان لابد لي من زيارة "المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي" الذي يقع في شارع "المول" نظرا لأنها فرصة ربما لن تتاح لي مرة ثانية، فقد كنت شغوفا جدا بالتعرف على محتويات هذا المتحف الذي يحتوى على على ما يزيد عن 125 مليون عينة من النباتات والحيوانات والمعادن والصخور والنيازك والآثار الثقاقية، فضلا عن أن هذا المتحف يعتبر الثاني من حيث الشعبية من متاحف "سميثسونيان"، وهو الأكبر من هذا النوع في العالم، علاوة على أنه يضم نحو 1855 عالم طبيعة محترف، وهو أكبر عدد من العلماء المختصين في دراسة التاريخ الطبيعي والثقافي في العالم.
وبينما كنت غارقا في رحلة تجوالي داخل القاعات من "الجيولوجيا والمعادن والأحجار الكريمة إلى قاعة الديناصورات والثديات"، وغير ذلك من الأفلام الروئية والوثائقية التي ترصد تاريخ البشرية منذ النشأة وحتى لحظة الزيارة، وحدت نفسي فجأة أمام قاعة تسجل تاريخ الدول والبلدان على مستوى العالم، وكان طبيعيا أن أتوجه نحو الجناح المصري، حتى وقعت عيني على لوحة أصابتني بالذهول من فرط الإساءة للحضارة المصرية القديمة، كانت تحتل مساحة كبيرة بعرض 25 مترا بارتفاع 15 مترا، ومصدر الصدمة هنا أن الصورة تم التقاطها من زاوية غاية في السوء، حيت تكتظ بالمقابر التي تحتل 80% من مساحتها تقريبا، بينما الأهرامات تبدو في الطرف الشمالي الشرقي مزوية خلف المقابر، أما الكارثة الأكبر فكانت تتمثل في تعليق الصورة التي كتب أسفلها في عبارة "لقاء الماضي بالحاضر"، وكأن المصور - بخبث - أراد توصيل رسالة مفادها، أن حاضرنا وصل إلى حالة مزرية من السوء بسبب الإهمال الذي طغى على سطح الحياة المصرية، إلى حد زحف المقابر لتطغى على أجمل مافي آثارنا "الأهرامات" والحضارة المصرية برمتها، والتي اندثرت بفعل إهمال الأحفاد لتاريخ الأجداد.
ولم تكن اللوحة هى الصدمة الوحيدة بالجناح المصري، بل كانت هنالك صدمة أشد وأقوى، حين ذهبت لركن الموسيقى، وهممت برفع السماعة لأسمع جانبا من تراثنا الغنائي الذي علم الشرق كله أصول النغم، وقلت بيني وبين نفسي مؤكد أنني سوف أسمع بعضا من درر الماضي العريق لـ "سيد درويش، عبده الحامولي، محمد عثمان، أو على الأقل لأم كلثوم أو عبد الوهاب، أوعبد الحليم على أقل تقدير، لكن رأسي أصيبت بالدوار حين حين استمعت لأغنية "الشمس الجريئة" للمطربة "حنان" التي اعتبرها المسئولون آنذاك تلخيص واقعي لتراث الموسيقى المصرية الذي يجلب السياح، صحيح أن المطربة كانت معروفة آنذاك، وربما كانت وماتزال بلادنا تتميز بالشمس الجريئة فعلا، لكني تجمدت في مكاني من هول الصدمة لبعض الوقت، ووسط حالة من الذهول لممت أذيال الخيبة والأسى مغادرا المكان بخطى بطيئة يلازمني شعور مقيت بالغبن على مصر التي لانعرف قدرها. المهم أنني تحدثت وقتها وفور خروجي من المتحف مع المستشار الثقافي في واشنطن أنذاك، مستفسرا عن ذلك الفعل الشائن، ومع أنه رد مستنكرا ما سمعت وشاهدت، في تلميح وتصريح بمحو اللوحة والأغنية، ولكنه لم يغير من الأمر شيئا حتى عدت لواشنطن بعد 6 سنوات لأجد المشهد نفسه، وكأنه "راكور" يؤكد أن الإهمال أصبح من ضمن جينات أحفاد الفراعنة.
لا أدري لماذ تذكرت كل مامضى من سطوري السابقة، وأنا أتابع عن كثب حالة اللهاث الإعلامي التي صاحبت زيارة أسطورة الكرة الأرجينتيني "ليونيل ميسي" وجوهرة هوليود السمراء "ويل سميث"، ربما مر طيف الذكريات أمامي، عندما شاهدت الدكتور زاهي حواس يقول بفخر "إن النجم العالمي ويل سميث حضر شروق الشمس بمنطقة الأهرامات، وبالتحديد أمام تمثال أبو الهول، وأضاف حواس بحماسه المعروف: "صرخ سميث أثناء شروق الشمس على رأس أبو الهول، وقال هذه أعظم لحظة في حياتي" في إشارة منه إلى اندهاشه بالمشهد والحضارة المصرية، فعلا إنها نفس "شمس حنان الجريئة" تلهب خيال سميث، لكن الصدمة القديمة تكررت في الوقت ذاته بتلك التصريحات التي قارن فيها نفس الأثري العظيم زاهي حواس ، بين زيارة "ويل سميث" وبين زيارة ميسي، قائلا: "ميسي راجل أهبل، ده أنا قولت له كلام عن الحضارة الفرعونية، لو قولته لحجر كان نطق"، وأضاف حواس، في مداخلة هاتفية لإحدى البرامج : "شرحت تاريخ الآثار كلها لميسي، ولم تظهر على وجهه أي علامة إعجاب أو استغراب، وهو واقف زي الأهبل كده" ، ويبدو أن خيوط "الشمس الجريئة" لم تقوى على فعل اختراق جسد ميسي، وتسرب أي قدر من دفء الحضارة في نفس هذا اليهودي، سوى بعضا من تمتمات مكتومة بداخله، كما ترجمها على الشاشة في إشارات طلسمية غير مفهومة .
على أية حال "من ميسي إلى سميث .. ياقلبي لاتحزن"، ففي ظني المتواضع لن تجدي كثير كل تلك اللقطات المصورة لزيارة النجم العالمي "ويل سميث" إلى مصر، وتواجده داخل المتحف المصري بميدان التحرير، وحرصه خلال تواجده بالمتحف على الاستماع إلى شرح المرافقين له من قبل وزارة السياحة وهيئة التنشيط السياحي؛ للتعرف على محتويات المتحف والمومياوات المتواجدة به، وحتى حرصه على التقاط صورة تذكارية بجوار صاحب التاج الذهبي الملك "توت عنخ آمون"، طالما أصبحنا نستجدي الزيارات الخاصة للنجوم العالمين بهذه الطريقة، ونلوى بها عنق الحقيقة لتصبح الاستثناء قاعدة ووسيلة لترويج السياحة، فلا "ميسي" كان قد خطط لزيارته من أجل الترويج السياحي، وإنما الرجل جاء لمصر لإطلاق حملة تتعلق بمرضى "فيرس سي"، ولا كانت زيارة "سميث" لغرض ترويج سياحي هى الأخرى، بل كانت مجرد حلم راوده طويلا، فجاء في زيارة "خاصة" - وضع مايروق لك من خطوط تحت كلمة "خاصة" - مع أسرته، وقد صادفت هذا التوقيت ليرى الأهرامات ومنطقة سقارة، وتطور الأمر لزيارة المتحف المصري، ومن ثم كان ينبغي على الإعلام أن لايحدث كل تلك الطنطة، أو يبرز تلك المقارنات الهزلية بين "ميسي وسميث"، لتصبح زيارة النجمين بمثابة حدثين جللين تستغلهما وزارة السياحة بكل تلك السذاجة لتضعهما في إطار خططها الاستراتيجية للترويج لآثارنا، في وقت أصبح فيه المصريون أحفاد الفراعنة، يعانون من نخر سوس الإهمال والتردي في عظامهم تجاه السياحة والآثار بالأساس، وربما يعاني القطاعين الأمرين جراء تلك التغيرات الطارئة على الشخصية المصرية في التعامل مع السائح الأجنبي.
الأمثلة كثيرة ومتعددة في دروب الأداء المتردي في المناطق السياحية والأثرية على مستوى الخدمات والممارسات المشينة التي تؤكد الشعور بمرارة الرحلة وتتجذر في ذاكرة السائح، من أول خطوة يضع فيها قدميه على أرض مصر، حيث يستقبله سائق تاكسي جشع لايهمه سوى الفوز بجنيهات قليلة بطريق الاستغلال ولي الزراع تارة، والفهلوة تارة أخرى، والأخيرة غير مستحبة تجاه كثير من شعوب أوروبا التي تتسم ببرود المشاعربالأساس، ناهيك عن أخلاق الزحام والعشوائية التي تجسد معاناة السائح حتى وهو يلتقط آخر أنفاسه على أبواب الطائرة عائدا إلى بلاده بلارجعة جراء تجاربه السيئة في فنون الاستغلال، وهو الأمر الذي يتطلب من وجهة نظري - إذا كان لدينا إرادة واعية في دعم السياحة - إعادة تأهيل الشخصية المصرية من جديد، من خلال انتقاء كوادر مصرية تمثل ضمير الأمة، أمثال " الشاعر الكبير فاروق جويدة، الدكتور زاهي حواس، الدكتور وسيم السيسي، الدكتور مصطفى الفقي، الدكتور فاروق الباز، مع بعض من علماء النفس والاجتماع"، ومن خلال مبادرة من جانب وزارتي السياحة والثقافة يمكن عمل مباردات وندوات تثقيقية للشباب، وأصحاب المهن التي تعمل في مجال السياحة أو على هامشها مثل " سائقي التاكسي، العاملين في الاستقبال بالمطارات، أصحاب البازارات " على أن يكون هدفها الأساسي هو إعادة تأهيل الشخصية المصرية من جديد، بعد نفض الغبار العالق بثوب الحضارة المصرية القديمة، تلك التي وضعت أسس الحضارات القائمة على العلم والأخلاق وروح المحبة والسلام للبشرية كلها على مر التاريخ .