خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

فاطمة ناعوت

لستُ متسامحة دينيًّا

الأحد، 05 مارس 2017 10:00 ص

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
«أنتِ متسامحة علشان كده بنحبك»، إحدى الكلمات الطيبة التى أسمعُها كثيرًا من قرائى. والمقصود بها هو «التسامُح الدينى»، وبرغم أن الكلمة تخرجُ من فمٍ مُحبٍّ وتأتى دائمًا فى سياق المديح، إلا أنها من جمُلة الكلمات التى أرفضُها، وأراها خارج سياقها اللغوىّ الصحيح.
 
بدايةً أودُّ أن أردَّ الكلمةَ إلى المعجم, حتى نقف على معناها اللغوىّ الدقيق. فى المعجم «الوسيط» نجد: تسامَحَ الشَّخصُ فى الأمر: تساهَل فيه وتهاون. فنقول: «لا تتسامحُ الدَّولةُ مع الخونة والمتآمرين، لكنها قد تُسامح فى شُرْب الخمر». نكتشف هنا أن «التسامُح» يأتى مع الجرائم أو الأشياء السلبية. فليس واردًا أن نقول مثلا: «المعلّمةُ تتسامح مع ذكاء تلميذها»، لكن بوسعنا أن نقول: «المعلمةُ تسامحت مع الأخطاء النحوية لتلميذها، حين أعجبها موضوع التعبير». وفى «لسان العرب»، نجد ما يلى: السماحُ والسماحةُ: الجودُ والكرم والعطاء عن سخاء. وفى الحديث يقول اللهُ عزَّ وجلّ: «اسمحوا لعبدى كإسماحه إلى عبادى»، أى كونوا كرماءَ مع عبدى مثلما هو سخىّ مع عبادى، وسمح لى فلانٌ، أى أعطانى وسمح لى بذلك. ويُقال: «سمحتِ الناقةُ» إذا انقادت. والمسامحة: المُساهلة فى الطعان، وهو الطعن فى العرض والشرف. والخلاصة أن «سَمَح»، تُقال عند التكرّم بالعطاء، و«أسمَحَ»، تُقال عند الاتّباع والانقياد والذُّل. وكلا المفردتين هما الجذر اللغوى لعبارات من قبيل: «متسامح دينيًّا» أو «التسامح بين الأديان»، إلخ.
 
فهل ترون الكلمةَ مناسبة ودقيقةً لغويًّا، حال الكلام عن «احترام» الآخر العَقَدى، أو ما يُسمّونه «التسامح الدينى»؟ هل حقُّ المرء فى اختيار عقيدته، هو شىء سلبىّ قد «أسامح» فيه إن اختلف دينُه عن دينى؟! إن احترم شخص مسيحى حق شخص مسلم فى اختيار دينه، أو العكس، هل يُعدُّ ذلك تَفضُّلا وكرمًا وسخاءً وعطاءً من قوى لضعيف ومن غنىّ لفقير؟ أم هو مذلّةٌ وخنوعٌ واتّباعٌ من ضعيف لقوى ومن ذليل لجبّار؟ لا هذا ولا ذاك. كلا المعنيين خطأ.
 
فحين تحترم وتحبُّ المختلفَ عنك دينيًّا فلا تحاربه ولا تقتله ولا تعنف معه أو تزدرى دينَه، فلا أنت ذليلٌ تابع، ولا أنت كريمٌ متفضّل. إنك فقط إنسانٌ سوىٌّ ناضج نجوت من مرض الطائفية الذى اِبتُلى به الآخرون الذين أهرقوا الدماء فى الحروب الدينية من الصهاينة والصليبيين والإسلاميين. وحين «تتعايش» مع المختلف عنك دينيًّا فأنت فقط إنسانٌ طبيعى عاقل. وقد وضعتُ كلمة: «تتعايش» بين مزدوجين، لأننى أرفضها أيضًا، وأستبدلُ بها كلمة أرقى هى: «العيش»، فالتعايشُ لا يكون إلا مع «عدو» أو مع «مرض»، فمريضُ السُّكر «يتعايش» مع مرضه حين ينجح فى كبح تداعياته وأعراضه. والشخصُ «يتعايش» مع جار السوء أو العدو، حين ينجح فى تجنّب شروره، لكنك «تعيشُ» مع أسرتك وأصدقائك وجيرانك الطيبين. «التعايش» فلسفيًّا ولغويًّا يشبه «التسامح»، كلاهما يحملُ معنى الجبر والاضطرار، أنت تتسامح مع عدوك، وتسامح من أساء إليك، وتسمح لإنسان بما ليس من حقّه. وكل ما سبق معان مغلوطة حال الكلام عن بشر ينتمون إلى عقائد مختلفة يعيشون معًا على أرض واحدة أو فى كوكب واحد أو فى كون واحد، فالمختلف عنك دينيًّا ليس عدوك، ولا هو أساء إليك، ولا أنت تمنحه ما ليس من حقّه حين تحترم اختلافه عنك.
 
الأخطرُ من كلِّ ما سبق، هو أنك حين تسمحُ بشىء، فأنت بالضرورة تملك حقَّ «ألا» تسمح به، فمثلا: «أسمحُ لك أن تستخدم قلمى فى الكتابة»، جملةٌ صحيحة، ولكن: «أسمحُ لك أن تستخدم قلمَك فى الكتابة!»، جملةٌ غير صحيحة، فمن حقى «ألا» أسمح لك باستخدام قلمى، ولكن هل من حقى ألا أسمح لك باستخدام قلمك؟! الأمر نفسه حال الكلام عن العقائد واحترام حق الغير فى حرية الاعتناق. فليس من حقى أن أسمح أو أتسامح أو أُسامحَ إنسانًا لا يدين بدينى، ببساطة لأننى لا أمتلك الحقَّ فى «ألا» أسمح له بذلك، أو أتسامح معه بسبب ذلك.
 
وبناءً على ما سبق، فإننى حين أرفض التمييز ضد أقباط مصر وأطالب بحقوقهم المهدورة فى بلادهم، فلستُ متسامحة، بل أنا إنسان طبيعى ناضج، وحين زار الرئيس عبدالفتاح السيسى الكاتدرائية لتهنئة الأقباط فى عيدهم، لم يكن متسامحًا دينيًّا، بل كان إنسانًا طبيعيًّا ورئيسًا ناضجًا يعرف واجباتِه وحقوقَ مواطنيه، وحين حارب المصريون كلَّ حروبهم معًا مسلمين ومسيحيين، لم يكونوا متسامحين دينيًّا، بل مصريون وطنيون ناضجون يقفون فى وجه عدو واحد، وحين خرجنا فى ثورات مصر منذ 1919 وحتى 2013 معًا مسلمين ومسيحيين، لم نكن متسامحين دينيًّا بل سلكنا سلوك الإنسان الطبيعى الناضج الذى خرج لينصر وطنه. وحين سافرتُ بالأمس مع وفد قاهرى لزيارة أبناء العريش الأقباط الذين يهددهم مسوخُ داعش، لم نكن متسامحين، إنما فعلنا ما يمليه علينا ما بداخلنا من «إنسان» ناضج عاقل أكرمه الله بنعمة العقل السليم والقلب السليم، لستُ متسامحة دينيًّا حين أحبُّ البشر دون النظر إلى عقائدهم، بل أنا إنسان حُر يشكرُ الله على نعمة الحياة، والعقل.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

التعليقات 10

عدد الردود 0

بواسطة:

حفاة الوطن

التسامح الدينى لا يختلف عليه احد ولكن ما تطلبيه التخلى عن الثوابت الاسلامية ارضاء للاخرين !!

هناك فارق بين التخلى عن الثوابت الدينية والتسامج الدينى فاى عقيدة تكفر الاخرى ولكن ليس معنى ذلك ان تعتدى عليها او تحرمها من حقوقها الكاملة فى العيش الكريم والمساواة فحينما نطلب من شيخ الازهر فتوى بان المسجيين مؤمنين فهذا طبعا مستحيل ولا يمكن لاى مسلم عاقل ان يطلب من البابا ما يفيد ان المسلم مؤمن بالنسبة له لان الاختلاف العقائدى مؤكد ولكن اطلب منهما ان يعيش الجميع فى سلام والله يفصل بيننا يوم القيامة فيما نحتلف فيه

عدد الردود 0

بواسطة:

محمد

الدوله المدنيه أبطلت ايه الجزيه وازلال المسيحيين ولا يزال الازهر يدرسها ويتمسك بها..لماذا لم يبطلها

حتي يعطوا الجزيه عن يد وهم صاغرون..........فشرط الجزيه هنا ان ترتبط بالازلال...افهم اعطاء الجزيه مقابل حمايتهم ولكن لماذا اذن ازلالهم وهم مواطنين كاي من مواطن؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فقد ابطل عمر بن الخطاب نص صريح لايه قرانيه وهي الخاصه بدفع الزكاه للمؤلفه قلوبهم...فمتي سيكون الازهر علي مستوي المسؤليه ليبطل نص صريح بايه قرانيه تطالب بازلال المسيحيين؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

عدد الردود 0

بواسطة:

محمد

متي يكون الازهر علي مستوي المسؤليه ليبطل ايه قرانيه تحض علي ازلال المسيحيين؟؟؟؟؟

حتي يعطوا الجزيه عن يد وهم صاغرون....ان وضع الرؤوس بالرمال لن يفيد وهذا سبب معاداه داعش للمسيحيين...الدوله المدنيه اعتبرت المسيحي مواطن كاي من مواطن فمتي تعتبره كذلك دوله الازهر...........العمم واللحي متي تستجيب لتجديد الخطاب الديني ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

عدد الردود 0

بواسطة:

Lolo

السيدة فاطمة ناعوت

لا تكرهي كلمة متسامحه هذه لأنها وسام على صدر من يتصف بها ،،فالسماحه بوجه عام تعني اللين والسهوله لا تعني السيد والعبد كما فهمتيها انت وحاولتي ان تصدريها لنا بفهمك الخاص والمحدود إن جاز لي التعبير مع الاعتذار ، سيدتي هناك حديث لسيدنا رسول الله يقول ( رحم الله رجلا سمحا إذا باع ، سمحا إذا اشترى ) فبين البائع والمشتري لا يوجد سيد وعبد فالسماحه هنا تعني السهوله و ((المرونه)) في البيع والشراء فلا هذا كريم سخي ولا ذاك ذليل تابع كما ذكرتي وحق الاثنين في البيع والشراء متساوي ، ولك تحياتي

عدد الردود 0

بواسطة:

الى محمد حنا رقم 2 و 3

واضح الجهل بالثوابت الاسلامية لانه لا يوجد عاقل ينكر نص اسلامى ولكن فهمك خاطئ !!

الاية تتعلق باية فيها قتال مع معتدين واذا انتصرت عليهم فماذا تفعل معهم ؟ لديك جيش يدافع عنهم وهم يعيشون فى امان عندك ومن حقك ان تجعلهم يدفعوا الجزية وهم صاغرون لانهم مهزمون وهم معادون لك ولو انهم دخلوا الاسلام فلهم نفس حقوقك اما من يعيش معك فى سلام كما يحدث مع الاخوة المسيجين فى مصر فانت مطلوب مناك ان تبرهم وتفسط اليهم ويشاركون معك فى الدفاع عن الوطن ومنهم ضباط ياخذون رواتب وراسهم مرفوعة لانهم يدافعون عنا وليسوا صاغرين لانهم يعيشون معنا فى سلام على عكس الصهاينة الذين يطردون الفسطينين من ارضهم لو كان لدينا القوة لدحرهم واسرهم لطلبنا منهم دفع الجزية وهم صاغرون !!!

عدد الردود 0

بواسطة:

محمد

لا شك ان تخلف الازهر عن عصرنا هذا له كبير الاثر في استمرار الكراهيه لغير المسلم.....

تتقدم الازمان والاوطان والعقول والمنطق والفكر والثقافه .....ولكن الازهر لا يتقدم يتخلف لتسمكه بمقوله ان المنقول يفوق المعقول.....تستمر الفجوه بين العقل والمنقول والقديم والمتخلف وتتسع وتتسع ويتخلف ويتخلف الازهر عن الفكر المعاصر وهو لا يزال متمسكا باصول الدين لتفضيله المنقول عن العقل والمنطق والمعقول....سيندثر الازهر فاكاره القديمه ومعتقداته الباليه التي ورثها من فكر الجهله والتكفيريين لم تعد تصلح للمناقشه وهو لا يزال يعطي لهذه الافكار البالبه شهادات الدكتوراه لمواضيع يرفضها عقل تلميذ حديث بكي جي وان......فحديث الولاء والبراء الذي يفرق بين المسلم وغير المسلم لا يزال يدرسه وهو حديث مكروه لعدم مساواته بين الناس ونشر البيروقراطيه الدينيه التي يلفظها الناس يوما بعد يوم لتعود لرشدها و تفهم ان الدين الذي يفرق بينهم لا يستحق الاتباع وعليه فاما ان يجدد الازهر خطابه الديني بما يتماشي العقل والمنطق ويتنازل عن اصول الدين التي ورثها من المجهول والا فسيندثر كما اندثرت افكار الكراهيه وانتصر التسامح او المساواه...

عدد الردود 0

بواسطة:

الاسكندراني

...Lolo التعليق بهذه الطريقة من السرد ...اليوم ...شيق وممتع ...ويدعو للمتابعه ...صباح الفل ..ليس لها من دون الله كاشفه . .

عدد الردود 0

بواسطة:

نشات رشدي منصور / استراليا

هذا. ما. يحيرني. للعزيزة. فاطمة ناعوت

الانسان. كان. موجودا. قبل. الأديان. وكان. العالم يعيش. في. سلام. المفروض الان. ان. يعش العالم في. افضل. الأحوال. عما. سبق. .. ليتني. استمع. لصوتك. في تلك. الحال .

عدد الردود 0

بواسطة:

Lolo

الاسكندراني

تلامذتك يا بيه هه ،،،، صباح الخير

عدد الردود 0

بواسطة:

محمد

لا خوف علي مصر وبها امثال فاطمه ناعوب

الثقافه والفكر والجراه والتحليل والمنطق والعقل .......مصر المستقبل امثال فاطمه ناعوت سواء كره من كره..............المستقبل افضل مع العلم والمنطق

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة