خالد صلاح

ماهر المهدى

نيويورك مرة ثانية

الجمعة، 31 مارس 2017 02:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
تقدم المرض – للأسف – من مرحلة الى مرحلة دون توقف . لم أتوقف عن النمو يوما . ولم أتوقف عن التعلم وعن الدراسة يوما. ولم أتوقف عن بذل طاقتى كلها من أجل مستقبل أفضل أبدأ ، فكانت زوجتى الطيبة وكانت ابنتى كنزى التى أودعتها حبى للحياة، وأودعت هى فى قلبى أملا متجددا وصبرا على الألم ، بينما عجزت الأدوية الكثيرة التى تجرعتها جميعا على مدار السنين عن القضاء على المرض أو وقفه ولو لفترة .
 
 ربما كان وراثة ، وربما كان لعوامل أخرى لا أعرفها ولا يعرفها كل هؤلاء الأطباء الكثيرون الذين صادفتهم والذين بحثت عنهم والذين وصفوا لى عبر رحلتى . ومع ذلك لم يزل فى عيني نور وحنين الى شفاء قريب أو بعيد. وقد قيل لى إن هناك طبيبا بارعا فى مستشفى فى مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية ، وأن مراجعته مكسب ، وان كانت رؤيته مكلفة تماما . نعم مكلفة تماما ، فرؤية هذا الطبيب تكلف ألفى دولار فى المرة الواحدة . ولكن لا معنى للمال أيضا ، اذا لم يسعف المرء فى مرضه ويفديه فى الملمات ، أجارنا الله من الشدائد . 
 
كنت وحيدا فى هذه الرحلة يرافقنى أملى وهمى فقط ، ولذا غادرت نيويورك الى هيوستن فى نفس اليوم دون تأخير . كنت أود أن أبقى فيها قليلا ، ولكن لا رغبة لى اليوم . ربما بقيت فى نيويورك ليوم أو بعض يوم فى طريق العودة إلى مصر . 
 
بدت هيوستن مدينة كبيرة مترامية المساحات كما كنا نشاهدها فى ذلك المسلسل الشيق دالاس فى ثمانينات القرن الماضى بجماله ورومانسيته . وكان الجو مفاجئة لى حقا . ففى هيوستن تجد نفسك فى مصر بجوها الدافىء معظم الوقت الحار الراطب فى بعض العام ، ولا تصدق أنك فى الولايات المتحدة الأمريكية التى ترتبط فى رأسى ورأسى الكثيرين – على ما أعتقد – بصقيع الشتاء وثلج الطريق ، ولكنها حقيقة يعيشها المقيمون فى تلك المدينة .
 
 وقد أخذنى هذا الجو من همى قليلا وروح عنى وأذهب عنى قليلا من الحزن والهم . فقد استطعت أن أتجول فى المدينة الكبيرة على أقدامى وقتما أحببت ذلك ، لأستطلع كل المنطقة بالفندق الذى نزلت فيه ضيفا ، بينما استعد لمقابلة الطبيب الخطير بعد يوم واحد . 
 
لم يكن من الصعب أن أقضى يوما طيبا فى هيوستن ، فهناك الكثير الذى يمكن للمرء عمله . وقد يكفيك أن تتجول فى المدينة الكبيرة بسيارة لتستطلع الأرجاء المتباينة ، وتطرق أبواب بعض تلك المطاعم التى تقدم المأكولات المختلفة فى أجواء متعددة الأريج والمزاج ، بحيث يصعب على المرء أن يزهق مما هو فيه ، ويصعب على الملل أن يتسلل اليه . وقد آثرت أن أزور مقر وكالة ناسا للفضاء ـ وأن أدع أمر المطاعم لوقت لاحق ، فطلبت من مرافقى أن يقصد بنا مقر الوكالة ، حيث تجمع أناس كثر من مختلف الأعمار ، وامتلأ المكان بالمحال التى تقم الهدايا التذكارية والتى تحمل اسم وكالة ناسا للفضاء . فلابد للمرء أن يخرج من هذا المكان بتذكار ما .
 
 فلما اكتمل العدد الكافى تحرك الجمع فى مركبات خاصة الى أحد المبانى الهامة الذى يضم قاعة لمتابعة عمليات اطلاق الصواريخ ، بينما قام مرشد بشرح إجمالى لنظام العمل داخل القاعة التى بدت كقاعة عادية تماما ، ولكنها فى الواقع ذات أهمية بالغة ولا يتحكم فيها إلا القائمين عليها فقط . وغادرنا القاعة الى نافئة تطل على صالة تجميع للصواريخ أو ورشة عمل تضم صاروخا رابضا على حوامل فى ضخامة وابهار . وقد أخذتنى قصة الصواريخ وأحجامها الهائلة ونظام عمل الوكالة من خواطرى المشغولة ، توشك الشمس على المغيب قد ولى النهار كله الا قليلا . 
كان المستشفى هائلا ونظيفا ومليئا بالحركة كميدان حربى أو استاد يشهد عدة مباريات فى آن واحد . وبعد انتظار قليل ، استقبلنى الطبيب الفخيم فى معمله الصغير ، ولم يتكلم كثيرا ، بل استلم ما معى من تقارير وأشعة وأوراق وفحصنى سريعا ، لأغادر مكتبه أم معمله خلال دقائق . فلما عاودت زيارة المستشفى فى اليوم التالى لمعرفة رأى الطبيب ، لم أحبط كثيرا لأنه لم يأت بجديد لم أسمعه من قبل . قال : يؤسفنى أن ما توصلت اليه أبحاثى من نتائج ايجابية للعلاج من هذا المرض لا يمكن أن تسعف فى حالتك انت . لقد تقدم المرض كثيرا . معذرة ! 
 
لقد حاولت على الأقل أن أجد العلاج ولم أجبن ولم أبخل على نفسى بمال ، وسيكون ما يكون . أما الآن وفورا ، فلابد أن أقصد واحدا من هذه المطاعم التى يبدو طعامها لذيذا ، وليكن مطعم اللوبستر الأحمر هذا القابع فى سكينة بن يدى عدد من الفاتنات اللائى يستقبلن الزبائن ويقمن على خدمتهم . 
رغم أنى لم أصدم صدمة كبيرة بما قاله الطبيب – لعلمى بحالتى – الا أن أملا ما كان يروادنى فى أسمع ما يسرنى ، ولو كان مستحيلا فى علم البشر . ولذلك ، آثرت الا أبقى فى نيويورك وأن أغادر منها الى القاهرة حتى لا أبقى وحيدا وكئيبا فى وقت أحتاج فيه الى عائلتى . 
 
اصطف الخلق فى طابور طويل فى مطار نيويورك ، بينما تجرى الاستعدادات للصعود الى الطائرة المتجهة الى مصر ، والناس تخلع ملابسها وأحزمتها وأحذيتها - كما لو كان مهرجانا صيفيا للهروب من حرارة الجو وغلوه . سألنى الضابط الشاب : ما هذه النقود الكثيرة التى تحملها ؟ ما زاد على العشرة آلاف دولارا فهو كثير . قلت عذرا ، ولكن للظروف أحكاما , وقد حملت المال من أجل العلاج والاقامة وما الى ذلك . قال الضابط فلنر أثباتات شخصيتك ولتصبر معنا قليلا ، هل تمانع ؟ قلت : أبدا . ما أسعد وجودى برفقتك ، ولتعمل إجراءاتك ريثما أنتظرك أنا والطائرة ، وربما انتظرتك أنا فقط ، اذا غابت اجراءاتك . قال الضابط الشاب : لا شأن لى بالطائرة . وراح يعمل يديه فى أزرار كثيرة ويحادث من يحادث تليفونيا ، بينما شغلت نفسى بهندامى وترتيب أشيائى بتأن ، فما سيكون من أمرى وأمر النقود سيكون . مرت دقائق قبل أن ينادينى الضابط بأدب ولطف قائلا : تفضل أوراقك وأموالك يا سيدى . يمكنك أن تغادر فى سلام ، ويمكنك أن تشتكى أيضا لو أنك متضرر من شىء . ابتسمت للضابط محييا ، ثم انطلقت إلى طائرتى لألحق بمقعدى وأهرب من قبضة نيويورك ، فكلما زرتها صادفت مقلبا أو موقفا طريفا - رغم انى أكن لها المودة – ولم أكن فى هذه الزيارة فى حالة مزاجية مناسبة لمقلب أو موقف . حفظ الله مصر ورئيسها ووفقه وقادتها الى الخير . 
   

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء


لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة