خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

محمد حبوشه

اخلع نعليك فأنت على بساط "المنصورة" الأخضر!

الجمعة، 24 نوفمبر 2017 02:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
هى بلا شك أجمل مدن مصر على الإطلاق، وهى درة التاج الذى يلمع فوق رؤس كل أبناء الدقهلية، فيها أجمل النساء والرجال، حيث العيون الخضر والزرق والشعر الأصفر، لذا فهى بلد السحر والجمال، حيث تسكنها منذ القدم أجمل قصص الحب التى ابتدعها خيال الشعراء، والتى نشأت وشاعت وذاعت فى المنصورة.
 
حين تشرع فى الذهاب إلى المنصورة لابد لك أن تخلع نعليك وأنت تخطو على بساطها الأخضر، فأنت الآن فى قلب المدينة العتيقة التى أنشأت فى عهد الملك الكامل أحد ملوك الدولة الأيوبية عام 1221 ميلادية وعرفت باسم" جزيرة الورد"  لأنها كانت محاطة بالمياه من ثلاث جهات وكانت بها أكبر حدائق ورد فى مصر، ثم سميت بالمنصورة بعد النصر فيما سمى لاحقا بمعركة المنصورة الذى حققه الشعب المصرى على الحملة الصليبية السابعة التى حاولت احتلال مصر، والتاريخ بالتاريخ يذكر فقد نقل ابن دقماق من كتاب "الانتصار عن كتاب تقويم البلدان" للمؤيد عماد الدين بأن المنصورة بناها الملك الكامل بن العادل عند مفترق النيل على دمياط وأشموم، وبينهما "جزيرة البشمور" بناها فى وجه العدو لما حاصر الفرنج من دمياط، وقال ابن دقماق أن المنصورة تقع قبالة بلدة تسمى طلخا وهى مدينة بها حمامات وأسواق وهى على ضفة النيل الشرقي.
 
المهم إنه قد ساقتنى قدماى الأسبوع الماضى فى صحبة الأستاذ أسامة سرايا، رئيس تحرير الأهرام الأسبق إلى مسقط رأسينا فى المنصورة، حيث الطبيعة الخلابة، والبساط الأخضر الذى مازال يكسوها، رغم الزحف العمرانى المقيت بكتله الأسمنية العدائية لفطرتنا حين كنا صغار نروح ذهابا ونغدو إيابا كالطيور المحلقة نلهو فى شوارع قرانا وبيوتنا الطينية التى كانت تحنو علينا صيفا وشتاء، حيث كانت الحياة على طبيعتها الفطرية البسيطة مع أهلنا من الفلاحين الشغالين الشقيانين، بفعل خيوط الشمس المصلوبة على رقباهم فى نهار صيفى قائظ، أو حين تخلع الريح العاتية أشجارهم وتهدم بعضا من بيوتهم فى نوبة شتاء قارص.
 
وصلنا ظهر يوم الاثنين قبل الماضى قريتينا "الدراكسة والبجلات"، تلازمنا ذكريات الطفولة والصبا، ونحن نمر على البيوت القديمة منها والجديدة بما أحدثته عوامل التعرية الحديثة بفعلها المستهجن، ومر اليوم كطيف ساحر أذهب الهم من نفوسنا قليلا بعيدا عن زحام القاهرة وضجيجها حتى دخل المساء علينا ونحن على أبواب نادى "جزيرة الوردة"، ذلك النادى الذى تم إنشاؤه فى 7 مايو 1986، على مساحة 16 فدانا أى 60.000 متر مربع ، فقد كانت الأرض التى أقيم عليها هذا النادى أرضا زراعية يغمرها مياه الفيضان سنويا ولا تزرع إلا محصولا واحدا معظمه خضروات طازجة، ولما انتهى الفيضان بإنشاء السد العالى أصبحت مستعدة للزراعة طوال العام ومعظم هذه الأراضى كانت ملكا للدولة، وبعضها ملكا للأهالى وأراضى الدولة تؤجر للفلاحين والراغبين فى الزراعة ، ومن حسن حظ سكان المدينة أن أنعم الله عليها بمحافظ نشيط يرعى الله فى عمله ويعمل على ما يريده ويحتاجه شعب المنصورة، وهو المرحوم اللواء سعد الشربينى رحمه الله رحمة واسعة، فمن خلال اجتماعاته المتكررة بالناس ومعرفة رغباتهم واحتياجاتهم، كان من أولويتهم إنشاء النادى الرياضى والاجتماعى المذكور.
 
فى قاعة "سعد الشربيني" التقينا بالمحافظ الدكتور أحمد الشعرواى، والذى كانت عينيه تلمعان بالأمل، ولديه شعور بالفخر والأمل كونه محافظا للدقهلية عاصمة الجمال والطب فى مصر، كان هذا الشعور يتجدد مع كل لحظة نعرج فيها بالحديث عن المدينة الجميلة التى يحفظ تاريخها عن ظهر قلب، عبر تاريخها الطويل من الطموحات والتحديات التى واجهتها منذ بناها الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب فى سنة 616 هـ عندما ملك الفرنج مدينة دمياط، فنزل فى موضع هذه البلدة وخيم به، وبنى قصراً لسكناه وأمر من معه من الأمراء والعساكر بالبناء فبنيت هناك عدة دور ونصبت الأسواق، وأدار عليها سوراً مما يلى البحر (يقصد فرع النيل الشرقي) وستره بالآلات الحربية والستائر، وسميت بالمنصورة تفاؤلا لها بالنصر ولم يزل بها حتى استرجع مدينة دمياط، ثم صارت مدينة كبيرة بها المساجد والحمامات والأسواق.
 
ولعل قصة بناء المنصورة ترتبط بخيط رفيع من التاريخ القديم الذى ذكرناه عبر السطور الماضية مع التاريخ الحالي، عندما واجه الدكتور الشعراوي، تلك الهجمة الشرسة على بناء سور المحافظة، بطريقة غير مبررة، داعيا إلى ضرورة الاستماع لصوت العقل والمنطق قبل الخوض فى أى حديث، خاصة أن السور له أهمية كبرى فى هذه المرحلة، مضيفا أن التعليمات الأمنية كانت صريحة وواضحة، ولابد من بناء سور واتخاذ الاحتياطات اللازمة لاستهداف المحافظة، من قبل العناصر الخارجة عن القانون، وتابع : "لم يكن يجدر بى أن أقف مكتوف الأيدى أنتظر تفجير المحافظة بسيارة مفخخة، أو إلقاء أى مادة متفجرة بجوارها، ولأنها مدينة الجمال فإن السور سيكون له مظهرا جماليا متميرا، يزين محافظة الدقهلية، وليس كما روج البعض بأنه سيكون عازل للجماهير، لأن السور سيكون فيه بوابات، ولن يمنع أحد من الدخول أو الخروج، ومن الممكن لأى شخص الدخول عقب اجتياز الحواجز الأمنية بالسور، قالها المحافظ صريحة واضحة أن "السور لن يحجب الناس، إنما سيحجب يد الشر ".
 
انتظمنا فى العاشرة مساء فى "صالون الجراح" برئاسة الدكتور جمال مصطفى سعيد أستاذ الجراحة العامة بكلية الطب جامعة القاهرة، والذى يقام لأول مرة خارج حدود العاصمة، بحضور المستشار أحمد الزند، وزير العدل الأسبق، والدكتور أحمد الشعراوى محافظ الدقهلية، والكاتب الصحفى أسامة سرايا رئيس تحرير جريدة الأهرام الأسبق، والمستشار عزت أبو الخير، والدكتور عادل دنيور أستاذ جراحة الأورام بجامعة المنصورة، والشاعر بخيت بيومي، والكاتب الصحفى أحمد الجمال والمحاسب طارق عبد الهادى رئيس مجلس إدارة نادى "جزيرة الورد"، والكاتب الصحفى الخلوق حازم نصر، مدير مكتب مؤسسة أخبار اليوم بالمنصورة، وقدم الصالون الشاعر مصطفى السعدنى رئيس إقليم شرق الدلتا الثقافى، حيث كرم "صالون الجراح" الثقافى المستشار أحمد الزند، وزير العدل الأسبق، واختاره شخصية العام ومنحه درع التميز، فى أمسية ثقافية نظمها الصالون بعنوان "المنصورة عاصمة العلم والجمال".
 
وأكد الدكتور جمال مصطفى السعيد، أن الصالون قائم على شعار "هويتنا فى ثقافتنا، ولا نتحدث فيه عن الأمور السياسية ولا الدينية وأول مرة يعقد خارج القاهرة، والمرة القادمة فى برلين عن الهوية الوطنية المصرية وحرب الشائعات، وقال إن اللجنة العلمية لترقية أستاذة الجراحة عندما اختارت 13 على مستوى مصر كان منهم 6 من جامعة المنصورة لذلك قررنا أن نحضر إليهم ونكرمهم فى دارهم على هذا الإنجاز الكبير، والتى أصبحت بحق عاصمة مصر الطبية.
 
ثم استعرض "الجمال" بطريقة بديعة وبرشاقة أسلوبه، تاريخ المنصورة الذى لخصه فى ثلاث انتصارات كبرى "تصدى أبناء المنصورة لجملة لويس التاسع عشر – وانتصارهم على الصليبين فى معركة المنصورة الشهيرة – أكبر معركة جوية فى التاريخ العسكرى العالمى فى حرب أكتوبر 1973" ثم أتبع قصة المعارك الثلاثة التى واجهتها المدينة بقصة نادى جريزة الورد الذى كان عبارة عن تبة عالية كانت بمثابة ملتقى الشعراء والأدباء فى بدايات وحتى منتصف القرن الماضي.
 
ومن بعده تحدث الشاعر بخيت بيومى بلغة تخلط بين العامية والفصحى مستعرضا جانبا من حياته الشخصية مع الكلمة المغناة والفوازير، التى ورثها عن الراحل الكبير صلاح جاهين، وكيف عاش حياة مملوءة بالصخب والضجيج فى القاهرة التى تبعد عن مسقط رأسه بالمنصورة حوالى 120 كم، ومن ثم كانت الغربة قاسية لكنها توجت الرحلة فى النهاية بمئات الأغنيات على حنجرة كبار المطربين فى مصر والعالم العربي، ومن فرط حلاوة حديثه طلب الجمهور إلقاء بعضا من قصائده التى صنعت مفارقات مذهلة فى حياته الشعرية والإنسانية فألقى بعضا منها بطريقة تمزج بين السخرية والجدية فى قالب كاريكاتورى أمتع جمهور الحاضرين. 
 
وبحديث ذو شجون طالب الدكتور أحمد الشعراوى – محافظ الدقهلية الشعب المصرى بالحفاظ على الهوية المصرية أولا وقبل كل شيء، باعتبار أن ترتيب أوراق هوية المجتمع تعتبر هى القضية الأساسية، وطالب المواطنين بأن يعيدوا المجتمع إلى سابق عهده، قائلا: "أصبح النقاش صعبًا فى الوضع الحالى ويتصيد بعضنا لبعض الأخطاء وإنكار كل جهد يفعله الآخرون، إضافة إلى افتقاد لغة الحوار، حتى اللغة العامية أصبحت خارج السياق بعد استخدام البعض كلمات دخيلة على مجتمعنا".
 
وأضاف الشعراوي، أن التأكيد على هويتنا وشخصيتنا المصرية سيؤدى إلى التنمية الاقتصادية وتعديل سلوكيات المواطن من احترام لقواعد المرور وخفض الأسعار مما سيكون حائط صد أساسى ضد ما يهددنا، وهناك قضايا كثيره داخل المحاكم لو بحثتنا بداخلها سنجد أن أكثر من 80% منها نزاع بين أشخاص لذلك أصبح المجتمع مستهدف اقتصاديا وسياسيا وأمنيًا وتنمويًا، وحدث ذلك بسبب ضياع الهوية.
 
ثم اختتم المستشار أحمد الزند، فعاليات الصالون بكلمة قال فيها: أنا لست متشائما إطلاقا، وأعلم حجم المشاكل والتحديات التى يواجهها المصريون كالجبال الرواسى، ولكن متى كان المصريون يعرفون المستحيل، واقرأوا التاريخ يدلكم على أن المصريين ما وهنوا وما استكانوا وواجهوا كل أمر بكل مهارة فى التصدى حتى كان النصر حليفهم فى كل مرة، والأرض التى نحن فيها قد انتصرت على الصلبيين والفرنسيين والإسرائيليين والقادم أحسن.
 
وأضاف أن سر شقائنا ومشاكلنا اليوم، أننا ما كنا شتامين ولا كنا متحرشين، وما كنا إلا ونحمل نسائنا فوق رؤوسنا، وما حدث هذا إلا بعد انفلات ظن البعض أنها هى الحرية ولكنها الفوضى بعينها، والإعلام زكى هذه الآفة اللعينة، وصرنا نقرأ على صفحات الصحف أنواع من كلام نسمعه فى الأزقة والحواري، والكذب والتلفيق والحقد هذه المفردات التى لم يكن المصريين يعرفونها، والإعلام جزء أصيل من ثقافة الشعوب.
 
عدنا إلى القاهرة بخفى حنين، لكن تبقى فى خيالنا ظلال جميلة من أجواء المدينة الساحرة "المنصورة" ببساطها الأخضر الحانى على أهلنا الذين قال عنهم أمل دنقل : "الودعاء الطيبون.. هم الذين سيرثون الأرض فى نهاية المدى".

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





الرجوع الى أعلى الصفحة