دعا وكيل وزارة الزراعة للأمن الغذائى بجنوب السودان الدكتور جون أوقوتو كانيسيو مصر إلى مساعدة بلاده فى عملية التنمية وتحقيق الأمن الغذائى من خلال نقل التجربة المصرية الرائدة فى هذا الخصوص.
وقال كانيسيو الذى تخرج فى كلية الطب البيطرى بجامعة الزقازيق عام 1986 فى حوار مع موفد وكالة أنباء الشرق الأوسط لجنوب السودان: "السلام آت لا محال، ومصر عندها تجربة فى كل ما نحتاجه وهى مرت بنفس تجاربنا أثناء الحرب، ولكنها نهضت واستطاع السلام أن يجعلها تهتم بالبنى التحتية وتوجيه الاهتمام بالتنمية فى الداخل وربط كل أنحاء الجمهورية وتطوير الزراعة واستصلاح الأراضى من خلال الأبحاث" .
وأضاف: "مصر يمكنها أن تساهم فى هذا المجال وخاصة أن علاقتها بجنوب السودان قديمة جدا بدليل أن عددا كبيرا من المسؤولين فى جنوب السودان حاليا هم خريجو الجامعات المصرية وأنا منهم، لذلك سيكون التواصل والتفاهم أسهل ولن أستغرق أى وقت لشرح ماذا يعنى الفدان الذى نعتمده كوحدة لقياس الأرض الزراعية أو ما هى المحاصيل التى يمكن زراعتها على ضفاف النيل".
ورحب بالتعاون مع الجانب المصرى سواء من خلال الحكومة أو المستثمرين المصريين لنقل الخبرات المصرية، أو من خلال فتح جامعات مصرية فى دولة جنوب السودان "الواعدة" التى يجب أن يكون لمصر بصمة فى تنميتها بالوقت الحالى، مقترحا أن يتم فتح فروع لكليات الزراعة بالجامعات المصرية فى جنوب السودان على غرار ما يحدث فى مصر من فتح كليات لجامعات فى محافظات أخرى أو من خلال ورش عمل تدريبية، كما وجه دعوته للمستثمرين المصريين لتأجير الأراضى الزراعية فى جنوب السودان وتنميتها والاستفادة منها سواء للسوق المحلى أو التصدير.
وأكد أهمية تحقيق السلام فى بلاده، وأن علاج أزمة الغذاء يكمن فى ربط مناطق الانتاج بمناطق الاستهلاك، وعودة المزارعين الذين شردوا من مزارعهم وقراهم، مكررا دعوته لمصر حكومة وشعبا إلى التعاون مع جنوب السودان فى هذه المرحلة.
وعبر عن ثقته فى قدرة مصر على القيام بذلك قائلا: "كنت أفتخر بنفق السويس، وأقول للناس هنا أن هذا النفق يمر تحت البحر وموجود منذ عام 1986، وإذا كان المصريون تمكنوا من شق طريق تحت البحر فى هذا الزمن، فماذا يمكن أن يفعلوه الآن؟".
وقال وكيل وزارة الزراعة للأمن الغذائى بجنوب السودان جون أوقوتو كانيسيو: "عندما تنشب الصراعات تتوقف عجلة التنمية وتعجز الحكومات عن الإصلاح.. ولكن السلام آت لا محال.. هذه المرحلة تحتاج جوبا إلى الأصدقاء الذى أصبح عددهم أقل ومنهم من ينتظر السلام".
وتطرق إلى جهود حكومته فى تحقيق الأمن الغذائى للمواطنين قائلا: "إنه شارك فريقا حكوميا فى زيارة إلى ولايات بحر الغزال الكبرى قبل أسبوعين، حيث تفقدوا ما مجموعه 1150 كيلومترا أى ما يعادل المناطق الواقعة من حدود أوغندا جنوبا وحتى مدينة الرنك فى أقصى الشمال".
وأضاف أن الفريق تفقد خلال الزيارة أعمال البناء الجارية على الطرق الريفية التى تربط مناطق الإنتاج الزراعى مع مراكز الاستهلاك، والتى شيد بعضها بتمويل من المفوضية الأوروبية، وتختصر بعضها المسافة من 6 ساعات إلى نصف ساعة للانتقال من منطقة إلى أخرى، كما تعمل على تحسين انتقال المواطنين والسلع.
وحول التقارير المتضاربة التى تصدرها المنظمات ووسائل الإعلام الدولية بشأن مجاعة محتملة أو وشيكة أو واقعة بالفعل فى جنوب السودان، قال كانيسيو أن "التقارير التى تصدر بشأن مستويات الجوع تكون من خلال أداة تستخدمها الجهات المانحة ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الشريكة العاملة فى مجال الأمن الغذائى فى جنوب السودان لتقدير احتياجات المساعدة الإنسانية للبلد بمشاركة أغلب المنظمات الدولية والأممية المقيمة فى العاصمة "جوبا" تحت مسمى (IPC) وهى تعنى التصنيف المتكامل للأمن الغذائى نتيجة جهود مشتركة بالتعاون مع المؤسسات الحكومية تصدر هذه النشرة المعتمدة كل ثلاثة أشهر".
وأضاف أن هذه النشرة معترف بها دوليا وتشرف عليها الأمم المتحدة، وتستخدمها فى العديد من الدول التى تتأثر بالأزمات، وهى تقف على حالة الحصاد والأمطار والأمراض الموجودة والعديد من الأشياء التى تقيس مستوى الأمن الغذائى من خلال مسح ما لا يقل عن 20% من سكان كل منطقة عبر خمسة مستويات تحدد من هم دون الأمن الغذائى ممن لا يحصلون على السعرات الحرارية الكافية يوميا.
واستغرب صدور تقارير مخالفة لما جاء فى النشرة الأخيرة من أرقام، نشرتها وسائل إعلام دولية نقلا عن منظمات أصدرت تقارير منفصلة أو ربما أعادت قراءة النشرة من خلال التركيز على جوانب دون أخرى لنقل صورة وأرقام أضخم من الواقع لخدمة مصالح أخرى.
وقال كانيسيو: "نحن كوزارة زراعة لا ننفى وجود حالة إنعدام أمن غذائى بشكل متفاوت ولا ننفى أن الأزمة أثرت بشكل مباشر وغير مباشر على الأمن الغذائى، وأن الدولة فى أغلب مناطق الصراع تعتمد على إعانات تأتى من الأسرة الدولية، ولكن يجب أن نتذكر أن هذه الإعانات ووصولها إلى مناطق الاحتياج يتم بتسهيل ودعم الحكومة، ونحن بالفعل لدينا أزمة غذائية فى جنوب السودان ولكنها ليست مجاعة كما يصورها البعض".
وتابع: "من الطبيعى أن يكون لظروف البلاد انعكاسات على الأمن الغذائى، حيث أدت إلى تشريد أعداد كبيرة داخل وخارج البلاد بعضهم مزارعين، إلى جانب تعطيل العمليات الزراعية سواء خلال المراحل الأولية وتجهيز الأرض أو خلال مراحل الحصاد، وذلك حسب التطورات الجارية فى مكان الزراعة".
وأشار إلى أن المناطق تأثرت بشكل متفاوت وبطريقة مختلفة، وأن العاصمة جوبا كانت تعتمد على بعض المدن الأخرى التى تتمتع بفائض فى الإنتاج الزراعى مثل مدينة الرنك شمالا، ولكن تأثر الطرق ولا سيما النهرية بسبب الأزمة، جعل جوبا تستورد بعض المحاصيل الزراعية الموجودة بوفرة فى مدننا من بعض الدول المحيطة.
وأردف: "من المفارقات أن مدينة الرنك فى أقصى شمال البلاد وهى تستخدم الزراعة الآلية من خلال ماكينات الزراعة الحديثة وتنتشر بها الذرة الرفيعة وتنتج حصادا وفيرا من محاصيل أخرى، وكانت تسير شحنات منتظمة محملة بالذرة الرفيعة عبر مراكب بنهر النيل من الرنك إلى جوبا، لكن الأزمة قطعت وعطلت هذا الطريق، وهو نفس الحال بالنسبة لمناطق الحزام الأخضر الواقع فى الشريط الحدودى مع دول أوغندا، والكونغو، وإفريقيا الوسطى، وهو الأعلى من حيث مستوى الأمطار فى البلاد، وعندهم فى العام الواحد ثلاثة مواسم للحصاد، ويشتهر بالحبوب سواء كانت غلالا أو حبوبا زيتية والنباتات الدرنية وغيرها من المحاصيل الزراعية التى تفيض عن حاجة هذه المدن ولكن يصعب نقلها إلى مدن أخرى، وذلك كله بسبب الصراع ولن ينتهى إلا من خلال السلام".
وقال المسئول بحكومة جنوب السودان أن "هذه المرحلة التى تحتاج فيها جوبا إلى الأصدقاء الذين أصبح عددهم أقل بسبب الأزمة الأخيرة ونفور الكثير وتأجيل مساعداتهم بحجة انتظار السلام، ومصر إذا ساعدت فى هذه المرحلة سيكون التأثير أكبر وسيعظم من دورها الإقليمى بشكل عام وعلاقاتها بجنوب السودان بشكل خاص".
وأضاف: "هناك مشاريع مصرية متعطلة بسبب الظروف الحالية، لكن أرى أن هناك دولا رغم الصراع تعمل هنا، ومنها اليابان التى بدأت علاقاتها مع جنوب السودان بعد عام 2005، وبالرغم من ذلك هى من أكثر الدول التى تدعم التنمية فيها، وكانت تعمل حتى أشهر قليلة ولكن أوقفت العمل الذى كانت تقوم به وركزت حاليا على العمل الإنسانى والإغاثى فقط، ووعدت باستئناف أعمال التنمية بعد عودة السلام".