خالد صلاح

سهيلة فوزى

لم يكن حبا فى المنفى

الجمعة، 19 أغسطس 2016 09:00 م

إضافة تعليق

مر ثلاثة أعوام تقريبا على ما حدث، كان اليوم يعبر عاديا أقرب إلى الملل كبقية الأيام لا يختلف عنها فى شئ، حتى استيقظت من نومى مفزوعة على صوت طلقات الرصاص، وانفجارات لا أدرى إن كانت قنابل تسقط أم بيوت تنهار، التفت حولى بعد أن فتحت عينيا أبحث عن مصدر الطلقات كى أتجنبها، ظننت نفسى ما زلت عالقة مع صُنع الله ابراهيم فى بيروت، ولكنى أدركت أنى مازلت فى غرفتى بقلب القاهرة، ويفترض أن أشعر بالأمان كنت انتهيت ليلتها من قراءة روايته "بيروت بيروت" ثانى تجربة لى مع الحرب الأهلية اللبنانية بعد "اعترافات" ربيع جابر التى قررت بعدها ألا أقرأ مجددا عن الحرب، لأنى لم احتمل كل هذا الموت، ولكنى خالفت وعدى لنفسى، وقرأت "بيروت بيروت" كنت أتوقع مادمت أقرأ عن الحرب أن تزدحم الأحداث بالقتلى، أن تتناثر الجثث فى أرجاء الرواية، أليست حرب؟ ولكنى لم أتوقعها بهذه القسوة، أكره الموت فى الروايات، أكره أن يقتل الكاتب أبطاله لزوم "الحبكة" تمنيت كثيرا أن يأتى يوما يضع فيه الأدباء تنويها بسيطا كتلك التى توضع على الأفلام التى تتضمن مشاهد عنف، ولو سطرا واحدا فى بداية الرواية: "اطمئن عزيزى القارئ لن أقتل احد" أو أن يكتب مثلا "ربما أقتل اثنين أو ثلاثة على الأكثر، اطمئن الرواية مليئة بالشخصيات..لن تفتقد الموتى" سطرا لن يضره فى شئ، ولكنه سيفيد مثلى ممن يتجنبون مواجهة موت أعزاء، اختبرت مواجهته من قبل وقت رحيل أبى، وقررت ألا أذهب إليه راضية ثانية ألا أواجه فقد أحباب ثانية حتى لو جاء الموت ليخطف منى بطل رواية تعرفت عليه منذ ساعات أو أيام قليلة لكنه صار حبيبا.


صحيح أن الموت فى رواية عن الحرب كان متوقعا، ولكنى فى كل مرة أفشل فى توقع حجم الوجع المترتب على قراءتها، تنويهاً فى البداية عن حجم القتلى قد يكون رادعا لعدم قرائتها، وقد يكون ذلك سبب تجنب الأدباء مثل تلك التنويهات حتى الآن.


 أدركت بعد هاتين الرواتين أن أى قراءة عن الحرب الأهلية فى لبنان لن تكون تجربة سهلة، لذلك قررت ألا أخوض تجربة القتل على الهوية من جديد أن تُقتل فقط لأنك مسيحى أو أن تُقتل فقط لأنك مسلم.. كفى موت.


قبل أيام قليلة نصحنى أستاذى سعيد الشحات مدير تحرير اليوم السابع بقراءة رواية "حب فى المنفى" لبهاء طاهر، قال لى أنها مناسبة جدا لأجواء هذه الأيام، ولم أدرك ما يعنى إلا بعد أن قرأت، كنت انتظر قصة حب رومانسية تزينها المناظر الطبيعية الخلابة لأوروبا، لم أتوقع موتا، ولا حربا، فقط حب قد يتخلله بعض الوجع لأنه فى المنفى، ولكن من قال أن الحب فى الأوطان لا يسبب جروحا، هكذا كنت أتصور، ولكنى بعد صفحات قليلة وجدت أنى ذهبت بإرادتى إلى ملاقاة عدة انكسارات متتالية لبطل الرواية تحول بعضها إلى انكسار شخصى، انكساره بعد أن تحول إلى مراسل فى دولة أوربية بعيدة فى عهد السادات بعد أن كاد يكون رئيسا للتحرير فى عهد عبد الناصر، انكساره لتحول الأشخاص من حوله حتى أبنائه وطليقته -حب عمره فى الوطن- حيث تحولات الانفتاح الشهيرة، بعدها وجدت نفسى وسط آلاف الجثث فى صابرا وشاتيلا، وسط مقابر الجير الحى، وشهادات حول ما دار فى مخيم عين الحلوة قتل واغتصاب، وتمثيل بالجثث كل ما كنت أهرب منه فى روايات الحرب الأهلية اللبنانية وجدته أمامى مُضاعفا.
انكسار البطل أمام تخاذل العرب حول ما يجرى، انكساره أمام تحول الصحافة من صاحبة الجلالة إلى عاهرة تسند رأسها إلى صدر الرجل الأقوى فى عهد مضى، أو الأغنى فى عهود أخرى.

 

انكسارات متوالية، تخيلت البطل مثلنا أحلام صعدت به إلى سابع سماء أيام عبد الناصر حتى جاءت النكسة، وهوت بالجميع على جدور رقابهم، تماما كما صعدنا بأحلامنا بعد ثورة يناير، طموحات ناطحت السحاب حلمنا بها لأيام، ثم تلاشى كل شئ أحلام بغد ليس كالأمس، ليس كتلك الأيام التى إتعدنا أن تمضى متشابهة بلا روح.


الرواية حزينة رغم قصة الحب التى يحاول البطل أن يسرقها ليواجه بها انكساراته، الحزن يخيم على كل أرجاء الرواية بداية من قصة تعذيب بيدرو موت أخيه فى تشيلى، التى استهل بها بهاء طاهر مأساة "الحب فى المنفى" مرورا بقتلى مخيم عين الحلوة، وحُفر الجير الحى المعبأة بمئات الجثث، وأشلاء الأطفال التى شُقت بطون أمهاتهم بالسكاكين ليخرجوا إلى الدنيا قبل أوانهم، وجريمة صمت الصحافة عن ما جرى فى صبرا وشاتيلا، وهى التى مهمتها قول الحقيقة.


كانت صابرا وشاتيلا وعين الحلوة بالأمس، أما اليوم فأصبحت حلب وبغداد وصنعاء وطرابلس، ومن قبلهم غزة، ومازال الصمت هو سيد الصحافة والعرب.


لا أدرى إذا اعتبرت عزيزى القارئ ما كتبته هو دعوة لقراءة الرواية أم دعوة لتجنب قرائتها، ولكنها أجمل وأقسى من أن تفوتك قراءتها.


سقطت قصة الحب فى المنفى، وبقى فى الذاكرة مذابح صابرا وشاتيلا، وعين الحلوة، وتخاذل الصحافة، ووضاعة العرب، سقط الحب صريعا فى المنفى البعيد، وبقيت أشلاء اللاجئين الفلسطينين تسد الحارات فى المنفى القريب.


إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة