خالد صلاح

أكرم القصاص

جعفر الراوى فى عصر «السوشيال»

الثلاثاء، 26 أبريل 2016 07:12 ص

إضافة تعليق

اليقين والاستسهال فى غياب الحوار


«جعفر الراوى» بطل «قلب الليل» لنجيب محفوظ وصل بنهاية القصة لأن يعلن أنه توصل إلى سر الوجود والحياة وعكف على تأليف كتابه الذى يمثل خلاصة الفكر والفلسفة والأديان والسياسة. كان نموذج الرجل الذى يعرف كل شىء ولديه إجابة عن كل الأسئلة التى تحير البشرية. ولم يكن كتاب جعفر سوى مجموعة من الهواجس والأفكار المتطايرة والمشوشة. وعندما ناقشه أحدهم قتله ودخل السجن ليخرج هائما يطلق كلاما غير مفهوم حول نهاية العالم.

أبدع نجيب محفوظ كثيرا فى رسم شخصية جعفر الراوى، وكان محفوظ مشغولا بالكشف عن نوعية من الشخصيات التى تمتلك يقينا بلا علم ولا معرفة، وجعفر الراوى نموذج الشخص الذى يجيد كل شىء ولا يعمل أى شىء ويتصور أنه وحده يمتلك المعرفة النهائية والنظريات النادرة لتفسير ما يجرى فى العالم، ويرفض أى سؤال يهز يقينه الجاهل.

مسيرة جعفر الراوى نفسها خليط من الفشل منذ ترك منزل جدة ليتزوج من غجرية سرعان ما تركها، تزوج من السيدة الثرية هدى هانم التى تكبره وظل يعيش عالة عليها ويفشل فى كل عمل ويعجز أمام ندوة رجال الفكر والأدب فى قصر زوجته يقرر الاعتزال، ويعكف على تأليف كتاب يحمل نظريته الشاملة لحل ألغاز ومعضلات العالم بينما هى مجرد هواجس وأفكار مشوشة، ويقتل من يصارحه بذلك.
لم يكن جعفر الراوى هو الحالة الوحيدة لمدعى المعرفة المطلقة، ومن يرفضون مناقشة أفكارهم، سوف نجدهم فى أعمال نجيب محفوظ، وفى أعماله المختلفة بدءا من الثلاثية التى رصد فيها تنويعات النخبة وركز على أنواع من حاملى اليقين المطلق فى السياسة والأفكار، ممن يختلط العالم لديهم بين معارف قليلة ورفض لاستيعاب العالم وتحولاته.

ما الذى يذكرنا بجعفر الراوى وأمثاله اليوم؟. ربما لأن عصر المعلومات والاتصالات أتاح الفرصة للتعبير والمواجهات فى السياسة، والاستسهال فى إطلاق الأحكام على الآخرين . وغياب أى قدرة على الحوار، والتوصل لأحكام نهائية بالخيانة أو الفشل أو النجاح حسب الهوى، وبقدر حالة السجن التى يتصور الواحد نفسه فيها حرا بينما هو فى «جيتو» خاص من الأفكار التى تتفق مع أفكاره ويستبعد من يختلفون معه. حيث يصنع العالم الافتراضى لدى البعض حالة من اليقين الزائف بالشهرة يدفعهم لإعلان أنفسهم نماذجا مطلقة للمعرفة بينما هم فى الواقع «جعفر الراوى» لكنه مشهور يحظى بأعداد من المعجبين وكان هذا موضوعا لكتب وروايات تتحدث عن تأثير أدوات التواصل على المجتمع والأفكار، وكيف يعطى إحساسا زائفا بالقوة والمعرفة، بينما يضاعف من عزلة الناس. ومن يتأمل ولو للحظة السجالات واليقين الذى يمارس به البعض أفكاره يكتشف كيف أصبح جعفر الراوى ظاهرة فى عصر الاتصالات.
إضافة تعليق




التعليقات 3

عدد الردود 0

بواسطة:

الباز أفندى – ساقط أبتدائيه و أنتخابات رئاسيه و أنتهازى سابق

المتشرنقون داخل الشرنقه فى عصر الشرانق و جعفر الراوى فى زمن هنداوى (فلاح كفر الهنادوه)

عدد الردود 0

بواسطة:

مصر

أحسنت

عندك حق في تشخيص حالة البعض منهم

عدد الردود 0

بواسطة:

سليمان شفيق

الراوي و والسيادة

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة