خالد صلاح

برعاية سوبر كورة

سوبر كورة

سامح جويدة

هل يفيد الآسى وقت الحصاد؟

الجمعة، 26 فبراير 2016 10:00 م

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء
تسللت من عيناها دمعة كبرياء. أخفتها بسرعة بأنامل يديها. رسمت ابتسامة باهتة على وجهها. حركت شفتيها بصعوبة كى تخرج ضحكة تخفى بها سقوط دموعها. فبماذا يفيدها الأسى وقت الحصاد ؟.. عليها أن تعتاد ذلك. أن تظل هادئة ولو جرحت بسكين بارد. لقد صارت أكبر من أن تقاوم. أعجز من أن تعارض. أضعف من أن تقول لا. عليها أن تستكين وترضى بأى شىء. لتنسى تاريخها المتأجج بالصلابة والعناد. فكل ما كتبته وأبدعته وقدمته لم يشفع لها. تاريخها الإعلامى الطويل.. برامجها وأفكارها.. وطلتها على أكبر الشاشات والفضائيات وسفرها كملكة فى كل بلاد العالم كل هذا لم يشفع. تحولت حياتها فجأة من فيلم صاخب إلى كتاب مهمل على الرف. انتقلت مع شريط العمر من بطلة ترتجل الحوار إلى كومبارس صامت محروم حتى من البكاء.

اقتحم أفكارها صوت ابنها وهو يقول فى صوت حاول أن يخرج مبتهجا: الله يا ماما حجرتك جميلة جدا وفيها بلكونة واسعة على الحديقة تعالى كده شوفيها، سحبها من يديها ولم تقاوم كانت قدميها ثقيلة بسبب الدوالى وخشونة المفاصل وأمراض كثيرة حاصرتها مع الأيام. نظرت فى برود إلى منظر الحديقة. تذكرت حديقة فيلتها فى المعادى. كانت أصغر ولكنها بالتأكيد أجمل على الأقل كان بيتها. وضع ابنها يديه على كتفها. شعرت برائحة جلده تغمر ذكرياتها. لم تتغير الرائحة منذ عشرات الأعوام مازالت تذكر نفحته الأولى حينما ضمته ليرضع.صحيح انها لم تتمكن من الاستمرار فى ارضاعه اكثر من شهر ثم عادت لعملها وبرامجها إلا أن رائحته الأولى لم تذهب يوما من ذاكرتها. لا تعرف كيف كبر بهذه السرعة بدون ان تلتفت لحاله.. فجأة وجدت طفلها رجلا.هل سرقها الزمن فى ابنها ام سرقها فى عمرها.. تنهدت. مالت برأسها حتى لامست يداه بخدها. استنشقت رائحة يداه كمن يسحب أنفاسه خوفا من الغرق.كانت تعرف انه سيغيب عنها طويلا بينما يبدوا طريقها للموت قصيرا. كانت تتمنى ان تقبل يداه متوسلة وترجوه باكية بأن يتركها تعيش معه أيامها الأخيرة. لن تطلب مرة اخرى ان يأتيها الطبيب بعد منتصف الليل. لن تتذمر وتصرخ حينما يعطوها الحقن. ولن تتأوه بصوت عالى حينما يشتد عليها وجع المفاصل أو الم العظام. لن تطلب منهم ان يجالسوها فى الصباح أو يؤنسوها فى المساء. لن تزعج زوجته بطلبات سخيفة ستجلس فى حجرتها صامتة ساكنة كالدولاب أو ستراعى احفادها كخادمة. ولكنها لا تريد ان تقضى أيامها الأخيرة وحيدة.. هل بعد هذا العمر الطويل تموت على فراش غريب وسط غرباء.. هل كل ما فعلته فى حياتها أرخص من دفء عائلة.. أقل من رحمة ابنها. أفاقت حينما احتضنها قائلا: انا متأكد ان الجو هنا هيكون أحسن بكثير من دوشة العيال وأنا هزورك علطول خلى بالك من نفسك يا ست الكل.. قبلها واحتضنته بلا كلمة.خرج سريعا وكأنه أنهى مهمة عسيرة.. جلست على السرير وكل لحظات عمرها تجرى أمامها كشريط سينمائى طويل.. تسللت دموعها لوهلة ثم سالت وتركتها لأول مرة تنهال مع أنين.

دق باب الحجرة.. فمسحت دموعها بسرعة ورسمت ضحكتها الإعلامية مرة أخرى دخلت عليها سيدة فى منتصف الاربعينات رحبت بها قائلة: شرف كبير أن إعلامية مشهورة زى حضرتك تكون معانا فى الدار.

إن شاء الله هتكونى مبسوطة جدا معانا. عندنا أنشطة كثير جدا رياضية وثقافية وترفيهية بالإضافة إلى عناية طبية على أعلى مستوى.. أنا اسمى مروة وسأكون مع حضرتك كل يوم من الصباح وحتى الساعة الثالثة بعد الظهر.. شكرتها بهزة خفيفة من رأسها وبابتسامة أخف.. إلا أن المشرفة استرسلت فى كلامها: أنا بالمناسبة كنت أتابع كل البرامج اللى حضرتك كنت بتقدميها..لا تتصورى مدى انبهارى بأفكارك وحواراتك مع المسئولين والوزراء.. حضرتك سيدة عظيمة كنت ملهمة لكل بنات جيلى.. كان حلمى أنى أكون زى حضرتك ودخلت كلية الآداب بس اتجوزت بدرى والعيال شغلونى والسنين مرت وفضلت هنا.. نظرت إليها فى حنان وقالت لها فى صوت خافت: مش مهم السنين تمر.. المهم ألا تندمى على حصاد العمر.

مشاركة

اضف تعليقاً واقرأ تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة





لا تفوتك
الرجوع الى أعلى الصفحة