يعود الحديث بقوة عن عودة العلاقات المصرية الإيرانية. والجديد أن نفس الحديث يدور فى القاهرة وطهران فى أروقة السياسة والصحافة. والأهم أنه أصبح حديث الشارع فى البلدين بدا الأمر وكأنه يرتبط بتوتر فى العلاقات مع المملكة العربية السعودية لكننى أعتقد أن الأمر بعيد كل البعد عن العلاقات بين مصر وأى دولة أخرى، فالكلام المتواتر عن عودة العلاقات يعكس رغبة حقيقية لدى قطاعات واسعة من البلدين، رغبة تنهى قطيعة استمرت عقودا طويلة، ولم تعد هناك مبررات قوية لاستمرارها، فهى القطيعة الأطول فى تاريخ البلدين، معلوم أن مصر وايران تجمعهما مفارقات تاريخية عديدة، تمثلت فى تعرضهما للاحتلال البريطانى أثناء الحرب العالمية الثانية، بالرغم من أنهما لم تشاركا فى الحرب. فأسهمت المعاناة المشتركة فى تبادل خبرات النضال، وأيضا فى تزامن وتشابه أهداف ثورتيهما (١٩٥٢ ناصر و١٩٥٣ مصدق) .
ولكن هناك أيضا مكر التاريخ الذى جعل إيران - الشاه يدور فى فلك السياسات الأمريكية، بينما كانت مصر - ناصر مناهضة لتلك السياسات وهذا ما أحدث قطيعة، انتهت بتوجه السادات صوت أمريكا، فيأتى نجاح الثورة فى ايران عام 1979 ليحدث انقلابا فى السياسة الخارجية، وتصبح من أكثر الدول مناهضة للسياسات الأمريكية، فتعود القطيعة. وتستمر لما يقرب من الأربعة عقود، تعاقب على مصر أربعة رؤساء تخللهم من ينتمى للإسلام السياسي! هذه القطيعة الغامضة جعلت كثيرا من المحللين السياسيين يقفون حائرين أمام هذه الحالة غير المسبوقة فى العلاقات بين الدول، خاصة تلك التى لم تحدث بينهما صدامات مسلحة مباشرة، بل يمكن أن نقول إن ما يجمعهما يفوق بكثير ما يفرقهما، حتى من جهة الموروث الثقافى الدينى فى محبة آل البيت، إضافة إلى الكثير من السمات المشتركة للشعبين. والأهم أنهما قوتان كبيرتان فى منطقة تتنازعها الحروب والصدامات، ويمكن لتعاونهما معا أن يذهب بالمنطقة إلى استقرار وأمان. وحتى نعالج هذا الملف، الذى يتضمنه ارتباك، يبدو أحيانا غير مفهوم، دعونا نطرح عددا من الأسئلة، نوجزها فى التالى :
- ما مدى دقة ما يتردد بأن استمرار القطيعة مرجعه ضغوط من دول غربية وإقليمية؟ وإذا كان هذا صحيحا، فما تفسير استمرار علاقات هذه الدول مع إيران، عدا أمريكا التى تعمل حاليا فى اتجاه تطوير هذه العلاقات؟
- ما حقيقة ما يشاع حول الخشية من رد الفعل السلبى للجماعات السلفية، خاصة أن قطاعا منها كان متحالفا مع محمد مرسى، وأصبح مشاركا فى تحالف ٣٠ يونيه ؟
- ما النتائج السلبية والإيجابية على الصعيدين الاقتصادى والسياسى لكل من القطيعة والتعاون ؟
- ما حقيقة ما أعلن مرارا عن ضبط خلايا إيرانية تنشر التشيع أحيانا، وأحيانا أخرى تعمل على تهريب سلاح لحركات المقاومة الفلسطينية؟
لكن مع هذه الأسئلة التى ننتظر إجابة لها، وحتى تكتمل الصورة دعونا نضع محددات عودة العلاقات لكلا البلدين:
- على القيادة السياسية الإيرانية أن تدرك أن مصر كانت وستظل دولة محورية فى الإقليم، حتى وإن كانت تمر بأزمة اقتصادية وضغوط دولية وإقليمية؟
- أيضا عليها ألا تغفل أن مصر لن تتخلى عن دورها العربى الذى فرضته الجغرافيا ودعمه التاريخ.
- يجب مراعاة أن مصر ملزمة باتفاقيات سلام مع الكيان الصهيونى، وليس من السهل الفكاك منها .
- على كل طرف أن يحترم خصوصية الآخر والتزاماته الدولية والإقليمية وحتى الدينية .
- على كل طرف أن يلزم وسائط الإعلام الموالية له بأن تتوقف عن الشحن الطائفي.
بالإجابات الواضحة والشفافة على هذه الأفكار والتساؤلات والوعى بالمحددات واحترام التباين فى نظم الحكم والرؤى السياسية، وإدراك أن التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة تفرض السعى للبدء فى عودة العلاقات على أسس واضحة، سوف يشكل البلدان ثنائيا إقليميا يخمد الحرائق، ويئد الفتن فى المنطقة لتهنأ شعوبها بالعيش الرغد فى مناخ من الأمن والحرية .