إن أرضية الصراع الأيديولوجى مثّلت إحدى أهم أرضيات التعبئة الإسلامية فى الجزائر، ورغم أننا حاولنا فى المبحث السابق إحداث نوع من الفصل التحليلى بين الاثنين "الدين كممارسة، والدين كنسق من الأفكار" بغرض بيان ما أثاره انتهاك وعدم اعتبار البعد الأول من رد فعل إسلامي، إلا أن واقع الحال يبين أن البعدين كانا يتجاوران منذ البداية، وأن الموقف الإسلامى كان يتزاوج فيه-ومنذ البداية أيضًا-الاحتجاج على البعد الأيديولوجى كما على البعد الممارسى والسلوكي، مع إمكانية رجحان أحدهما على الآخر فى مرحلة تاريخية أو أخرى. ذلك ما نلمسه مثلاً فى بيان الشيخ الإبراهيمى سنة 1964؛ حيث احتج على الأساس النظرى والمذهبى الذى بدا أن سلطة ابن بلة تمتح منه، كما احتج أيضًا على ما سماه الأزمة الروحية والخلقية التى أمسى المجتمع الجزائرى يتخبط فيها.
وفى ضوء المسألة الأيديولوجية يمكن أن تكشف ردود أفعال الشيخ السلطاني، أحد أقطاب الحركة الإسلامية فى الجزائر، عندما اكتسى طابع معارضته لنظام هوارى بومدين مسحة أكثر راديكالية، وانتقل من المجال الأخلاقى الصرف "انتقاد خروج المرأة، السفور" إلى المجال الأيديولوجى “معارضة الخيار الاشتراكي)، ومن حماس الخطابة إلى العمل الفكرى بتأليفه لكتابه النقدى "المزدكية هى أصل الاشتراكية"؛ حيث اتجه فيه إلى نقد مذهب الاشتراكية التى أعلنها بومدين خيارًا أيديولوجيًّا للدولة الجزائرية، وإطارًا موجهًا لمشروعه فى تنمية المجتمع وتحديثه.
إن الصراع حول المسألة الأيديولوجية-بصرف النظر عن بيان الشيخ الإبراهيمى الذى أثار القضية منذ البداية فى سياق انتقاده لخيارات أحمد بن بلة المذهبية، وعلى هذا تعينت “أى المسألة الأيديولوجية) كجبهة للنضال والتعبئة الإسلامية منذ أول وهلة-لم يتكثف بشكل كبير إلا فى السنوات اللاحقة وخلال فترة حكم الرئيس بومدين تحديدًا. لذلك يشير بعض الكتاب إلى أن الفترة الممتدة بين 1970-1971 ستساعد بما حملته من تطورات على تحريك المشاعر الإسلامية، وتنشيط النزعة الإسلامية فى الجزائر؛ ففى هذه الفترة بالذات-مثلما يرى هيوروبرتس- أقدم بومدين بعد فترة ناجحة من ضبط النشاط الإسلامى على خوض مسار عملى جعل إحياء الغليان الإسلامى ليس ممكنًا فحسب بل محتمًا، وهذا المسار العملى تمثل تحديدًا فى الانحراف جهة اليسار والتأكيد على الاشتراكية كاختيار لا رجعة فيه، وإعلان بدء الثورة الاشتراكية فى الجزائر بمحاورها الثلاث الثورة الصناعية والزراعية والثقافية.
لقد مثّل الخيار الأيديولوجى الاشتراكى أحد الأسباب المباشرة فى توفير شرائط نمو وتبلور تيار إسلامى معارض لهذا الخيار؛ لأنه عدّ منذ البداية مذهبًا ملحدًا غريبًا عن الإسلام لما يحيل إليه من نزعات مادية ولادينية. ومن هنا نظر كثير من الإسلاميين إلى أن الثورة الاشتراكية بعناصرها الثلاث ستقود الجزائر فى حال تطبيقها إلى مرحلة الماركسية اللينينية على الطريقة الكوبية.
ورغم حرص السلطة على محاولة إزاحة أى تأويل يضع الاشتراكية الجزائرية فى تقابل تناقضى مع الإسلام، ونفى أن تكون دينًا بديلاً له "إن الاشتراكية فى الجزائر لا تصدر عن أية فلسفة مادية، ولا ترتبط بأى مفهوم دوغمائى غريب عن عبقريتنا الوطنية. إن بناء الاشتراكية يتماشى مع ازدهار القيم الإسلامية التى تشكل عنصرًا أساسيًّا مكونًا لشخصية الشعب الجزائري... إن الاشتراكية ليست دينًا، إنها سلاح نظرى واستراتيجى يأخذ فى اعتباره واقع كل شعب ويستلزم فى الوقت نفسه رفض كل نزعة دوغمائية"، فإن هذه الاشتراكية-برغم كل تلك التبريرات- لقيت معارضة واسعة من قبل النخبة الإسلامية.
وينبه الطاهر سعود إلى أن المسألة الأيديولوجية، وإن كانت حاضرة منذ البداية فإنها كانت أكثر بروزا فى الوسط الطلابى الجامعي، بين النخبة الإسلامية التى بدأت تجد لها موطئ قدم فى الجامعة وبين النخبة الشيوعية التى كانت-مثلما ذكرنا سابقًا- مستفردة بجل الشأن الجامعي، وتحظى بالدعم الرسمي، وإن بطريقة غير معلنة. فالقضية الأيديولوجية -بما هى صراع نوعى يتم على مستوى الأفكار والتصورات-تفترض شريحة مخصوصة، وهذه الشريحة لن تكون فى الأخير سوى الشريحة المثقفة؛ أى شريحة الطلاب. وتفيد الشهادات المتوفرة فى هذا الصدد أن نضال التيار الإسلامي–الذى لم يزل حتى تلك اللحظة تيارًا هامشيًّا-كان ينحصر فى إطار المناقشات مع الماركسيين مثلما يؤكده واحد من أوائل الطلبة الإسلاميين هو رشيد بن عيسى، لذلك يمكننا القول إن الصراع فى هذا المستوى كان صراعًا نخبويًّا.
لكن المعركة الأيديولوجية انتقلت فيما بعد خارج أسوار الجامعة، وبالخصوص بعدما أطلق نظام هوارى بومدين مشروع الثورة الزراعية بمراسيم 08/11/1971، وعمل من أجل ضمان نجاحها على توظيف كل الوسائل المتاحة لذلك بدءًا من منبر المسجد إلى حملات التطوع الطالبية.
تتحدث الأدبيات الإسلامية على أنه من بين شبكة عريضة من المساجد التى كانت تدار من طرف مختلف فعاليات وتيارات الحركة الإسلامية كان لنخبة من هذه المساجد دلالة رمزية خاصة، كما أن بعضها يعد شاهدًا على تلك العلاقة العضوية بين المسجد والحركة الإسلامية عبر مراحل ولادتها ونموها وتطورها، نذكر من هذه المساجد:
- مسجد دار الأرقم: إذا كان مسجد الجامعة المركزية قد شكل فى بداياته فضاء للنخبة الجامعية الإسلامية ذات التكوين الفرنكوفونى الحديث لأنه مسجد فتح بالأساس داخل مبنى الجامعة، فإن مسجد دار الأرقم وهو رمز آخر من رموز الحركة الإسلامية الجزائرية قد ضم فى سنوات السبعينيات أبرز الوجوه الدينية التقليدية غير الرسمية ممثلة فى الشيوخ سلطانى وسحنون. ونظرًا لما كان يحوز عليه هؤلاء الشيوخ من سمعة وثقل تاريخى ومن رمزية العلماء سيتحول هذا المسجد إلى قطب مرجعى للعديد من حساسيات الحركة الإسلامية الناشئة.
موضوعات متعلقة..
- المركز القومى للترجمة يصدر ديوان "يقاس بالحجر"