خليل عبد الرازق يكتب: تونس والجرافيتى الوردى

الثلاثاء، 25 أغسطس 2015 02:03 م
خليل عبد الرازق يكتب: تونس والجرافيتى الوردى جرافيتى من تونس

أجلس وبعض الأصدقاء بأحد مقاهى شارع الحبيب بورقيبة، بمدينة تونس العاصمة، مصادفة تأتى فتاة تونسية تملأ المكان بهجة على غير المعتاد فى الثقافة التونسية، فالتوانسة شعب جاد حد الصرامة، قلما ترتسم على وجه أحدهم ابتسامة، لم تكن تلك أول ميزات فريال، فقد قادتها ظروف عملها أن تزور القاهرة فى وقت سابق، وترددت على مقاهى اعتدت أن أجلس عليها فى وسط القاهرة، كان ولابد أن نتبادل الحديث عن العاصمتين القاهرة وتونس والفروق ما بينهما، فالقاهرة عندها جراج كبير للسيارات وزحام لا ينتهى. إلا أن المفاجأة الثانية كانت أكثر أهمية، فهى من صناع – فناني- الجرافيتى فى تونس.

اتفقنا على لقاء لاحق، لتطلعنى عن تاريخها الخاص فى رسم الجرافيتى، بحماسة التقينا فى الصباح، ودلف الحديث عن تجربتها مباشرة فى فن الجرافيتى. فهى أول فتاة تمارس فن الجرافيتى فى تونس، وربما لم تسبقها فتاة أخرى لمثل هذا النوع من أساليب المقاومة السلمية. كانت واحدة من ثلاثة أشخاص قرروا بعد الثورة التونسية، أن يؤسسوا مجموعة "زواولة"، و" الزوالى" فى اللهجة التونسية تعنى الإنسان الفقير، أو الغلابة كما نقول فى اللهجة المصرية، ليعبروا عن رأى الناس الغلابة المطحونين، بين قوت اليوم، وحلم الثورة، والسياسيين بتعاليهم. بكل الطبع العمل كان سرى للغاية، يخرجون للعمل قرابة الساعة الرابعة فجرا، ليطوفوا على ضواحى تونس العاصمة قدر المستطاع، تجهز الخطة مسبقًا، وتحدد الأوقات لكل حائط ينوون وضع عملهم عليه، الوقت ضيق لأن تونس تستيقظ مبكرًا كما تنام مبكرًا، فالحائط الواحد على حد أقصى يخصص له خمس دقائق، والمدة المتاحة قبل شروق الشمس لا تتجاوز الساعة أو الساعتين. فالجرافيتى لابد وأن يكون يحوى عبارة قصيرة وواضحة ومكثفة أو رمز بنفس الوضوح فى المعرفة التونسية، أسلوب البعدين فى الرسم، هو الأسلوب الأفضل والمثالي، لأنه يكلف وقتًا أقل، وأدوات أقل، كما أنه يراعى أن لا يتوقف المتلقى أما العمل بوصفه عملًا فني، يشغل الفن فيه عن الفكرة المقصودة، فتقول فريال"قد ترتدى سيدة جميلة فستان جميل، ومن جمالة ننسى أن السيدة جميلة ".

كان سبقها كفتاة للعمل ضمن مجموعة تعتبر الجرافيتى وسيلة من وسائل المقاومة، محل نقض من بعض الأصدقاء، وكذلك رجال الشرطة التى كانوا يستطيعون فى بعض المرات القبض عليها أو توقيفها فى المطاردات الليلية، فكان الإنكار فى بلد كــ تونس يؤمن حقوق كثيرة للمرأة، منها المساواة فى الحقوق والواجبات، أن ينكر عليها كفتاة مثل هذا الحق، جعلها مثل هذا الاستنكار تستخدم "اللون الوردي" فى أعمال الجرافيتى التى تشارك فى صناعتها، لتعبر بتحدى عن أنوثتها، فالمرأة لابد أن تقاوم كما يقاوم الرجل، لأن فى البداية حين يتمكن رجال الشرطة من الإمساك بها كانوا ينكرون عليها أن تمارس الجرافيتى ويستنكرون عليها أن تخرج فتاة تجاوزت العشرين ربيع أن تخرج فى وقت متأخر من الليل، وخاصة أن تونس لا تسهر، كان الشرطيين يعاملونها كأنثى، وبعد تكرار مرات توقيفها تحول الرجل الشرقى الذى يعتبر تطاول يده على المرأة عمل يقلل من رجولته، تنازل الشرطى الشرقى عن أخلاقه الشرقية، وبدأ يتعامل معها على قدم المساواة مثلها مثل باقى زملائها بتلقى لكمات الضرب والعنف كما يتعامل مع زملائها فى " زواوله". أصبحت مثلهم تخرج ليلاً، تطاردها الشرطة، يضربها 12 شرطي، وتحمد الله أنهم لم يفعلوا أكثر من الضرب.

نعم أنى أنثي، أو بالتعبير التونسي" نعم أنى طفلة" كما تفضل أن تقول صاحبة اللون الوردى، فـــــــــ التوانسة يطلقون على الفتاة دون سن الزواج طفلة، بعد أن كانت مجموعة " زواولة" تستخدم فى أعمالها اللونين الأحمر والأسود لظروف مادية لا تمنحهم الفرصة فى استخدام ألوان كثيرة، أصبحت هى تستخدم اللون الوردي، لتؤكد " نعم أنا طفلة" وأستطيع أن أقاوم بالجرافيتي، ولابد أن أوصل رسالتى إلى كل " زوالي" –غلبان- تونسى".

انتشرت "زواوله" فى كثيرًا من الولايات التونسية، وبحماسة بالغة تعرفنى كيف كانت تزيل اللون الوردى عن يدها، وتشكو أن بقايا لون تبقى على أظافرها لا يستطيع الصابون الأخضر إزالتها، وهو صابون مصنوع من زيت الزيتون، وهى على قد اليد، تخبرنى أنها لم تعد تمارس صناعة الجرافيتي، فتكرار توقيفها جعلها تفقد أهم ميزة تراها مهمة لفنان الجرافيتى وصانعيه، هو أن يكون كـــ "الزوالي" الغلبان غير معروف، فاليوم نالت حظ من الشهرة والأضواء، فاكتفت بما حققته وتركت المجال لمبدعين جدد مجهولين يكملون فكرة " زواولة" والجرافيتى الوردى.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة