خالد صلاح

محمد الدسوقى رشدى

«تايم لاين» المصريين.. النوم أسفل ورقة كربون

الأحد، 26 يوليه 2015 10:00 ص

إضافة تعليق
ينسخ أحدهم أيامنا بورقة كربون حتى كاد الملل أن يفر منا..
نعيش أيام هذا العام، كما عشناها نفسها فى العام الماضى نسأل نفس الأسئلة، وننشر نفس الصور، وننفخ النار فى نفس المشاكل، ونغفلها كأنها لم تكن، ونسقطها من الذاكرة لتحل محلها لعبة جديدة، ليس من بينها أى لعبة لصالح هذا الوطن، لهذا الوطن رب يحميه، ولوسائل إعلامه ومواقع تواصله الاجتماعية ناس يمدون فى حياتهم «بالهرى والهرى المضاد».

افرح بماء محيطك الاجتماعى الراكد، فلم يعد هناك من يلقى الحجارة ليصنع التغيير، قل لى فى أى يوم نحن، أخبرك بما يشغل بالك، وما تتجادل بشأنه مع ناسك، قل لى فى أى مناسبة نحن، أخبرك بنوع الخلاف بينك وبين أصدقائك، قل لى أى حادثة جرت وأخبرك بما ستقوله الصحف وما ستفعله برامج التوك شو، وأصيغ لك بيانا متطابقا مع البيان الصادر من أجهزة الدولة.

كنا نقول أن أهل مصر لا كتالوج لهم، نفخر بذلك فى دلالة على الحيوية، والقدرة على إدهاش الغير، الآن نقول بأن لأهل مصر «تايم لاين» واحد وموحد يخبرك فيما يفكرون وكيف يتعاركون وأى «إفيه سيستخدمون» وأى ضيف سيظهر فى برامج التليفزيون.

الآن يمكنك أن تستيقظ وتنظر فى ورقة النتيجة، لتعرف مسبقا فيما ستتحدث مع زملائك فى العمل وفيما ستتجادل مع زملاء الفى سبوك وتويتر، وما ستشاهده من أفلام فى التليفزيون وما ستعرضه البرامج فى المساء، ونوع الوجوه التى تراها فى كل برنامج.

هكذا أصبح تايم لاين حياة المصريين واضحا ومحددا، لا يتغير من سنة إلى الأخرى، يأتى نفس اليوم بنفس النقاش ونفس الصورة ونفس الخلاف كالأتى:
• تحل ذكرى ثورة 23 يوليو ليبدأ معها أهل مصر فى الفيس بوك ثم البرامج بحديث لا يختلف عن حديث العام السابق وما سبقه وما سبقهما هما الاثنين، ماذا تبقى من يوليو؟، هل كانت أيام الملكية أفضل؟، الملك فاروق المظلوم؟، المصريون الحفاة العراة؟، الشوارع المصرية الأجمل من شوارع باريس، الفلاحون المظلومون، وينتهى الأمر بنفس الإفيه «على ابن الجناينى بقى ظابط يا إنجى».

• فى أول يناير تظهر نفس الفتوى الوحيدة هل يجوز تهنئة الأقباط بعيدهم، وهل الاحتفال برأس السنة حرام؟، ثم تظهر نفس الصورة لأماكن السهر؟، ثم تبدأ نفس المقارنات حول الشعب الهايص والشعب اللايص، ثم تبدأ نفس المعارك حول فستان هيفاء فى الكريسماس، وسعر تذكرة عمرو دياب.

• فى منتصف يناير تتخذ الأجواء شكلا ثوريا، وتبدأ صور الأيام الثمانية عشر فى ميدان التحرير تظهر، ويبدأ بعضهم فى طرح السؤال المكرر هل نتحتفل بذكرى الثورة أم عيد الشرطة؟، ثم يصرخ أحدهم الثورة مستمرة حتى تحقق أهدافها، ثم ينشر البعض منا صور الشهداء، ثم تمتلئ الصحف المصرية بملفات عن الثورة سيرة ومسيرة، ثم تصنع برامج التليفزيون حلقات خاصة تحت عنوان «هل كانت 25 يناير مؤامرة؟»، ثم يأتى الإفيه الأكبر ببيان الداخلية الذى يهنئ الشعب بالثورة، وبيان الإخوان الذى يترحم على الثورة التى سرقت.

• فى شهور الصيف وتحديدا من يوليو تظهر صور الساحل، وتبدأ الحفلة المعتادة، الطريق للساحل زحمة، البنات بتعمل شعرها ومش بتنزل الميه، الولاد بيعملوا فورمة الساحل، الطوابير طويلة أمام أماكن السهر، المحجبات عاوزين ينزلوا البحر أو يدخلوا البارات، الإصلاحات مستمرة فى طريق الإسكندرية، الإصلاحات مستمرة فى طريق العلمين، لا توجد خدمات على الطريق.

• يأتى رمضان وتبدأ الحدوتة السنوية، لماذا هذا الكم من المسلسلات؟، الفضائيات تخسر، مساحات الإعلانات مملة، استفتاءات الصحف والمواقع مفبركة، إعلانات نوستالجيا، إعلانات تبرعات، سيلفى الفطار، سيلفى السحور، معركة حول شروط الأوقاف للاعتكاف فى المساجد، صورة الزحام الكبير فى تروايح ليلة القدر، وبعدها بأيام يتخذ التايم لاين منحنى آخر بالحديث عن حشيش العيد وتحرش العيد وسيلفى صلاة العيد.

• فى أغسطس تظهر صور رابعة وقصص الصمود، وجبريل، والفض، وهلاوس الإخوان، وفى نوفمبر يبدأ الحديث عن محمد محمود والموتسيكلات، واقتحام الداخلية والإخوان اللى باعونا فى محمد محمود، وحق الشهداء الذى لم يأتِ بعد.

• فى العام الواحد يتكرر الأمر مرتين بنفس تفاصيله فى كل سنة، لقاء القمة فى الدور الأول ولقاء القمة فى الدور الثانى، حفلة الوعيد والتذكير بمن فاز على من تبدأ قبل مباراة الأهلى والزمالك، وبعد انتهاء المباراة بفوز الأهلى غالبا يتحول جمهور الأهلى إلى فاعل والزمالك إلى مفعول به، وتظهر العبارات المقدسة، الزمالك لم يكسب الدورى منذ ظهور الفيس بوك، متى يكسب الزمالك الأهلى؟.

• فى أى يوم من أيام السنة وارد وقوع حوادث بشعة، مثلا تفجير إرهابى، حادث قطار، غرق عبارة، حادث طريق وفى كل الأحوال ستجد مشهدا متطابقا بالكربون، عزاء وصراخ: «تعبنا بقى يارب» ثم حديث عن القصاص أو الثأر أو عقاب المقصرين، ثم ارتباك بسبب أرقام الضحايا، ثم حملات صحفية عن التقصير، ثم صور جنازات ودموع لأهالٍ مقهورة، ثم لا شىء على الإطلاق.. راحة فى انتظار تكرار المشهد.

• فى كل سنة تكرر بالكربون خناقة بطلها السبكى بسبب مشهد عارٍ فى فيلم من أفلامه، وستجد معركة كبرى بسبب تصريحات مرتضى منصور، وستجد ألف اشتباك متكرر بسبب تصريحات كوميدية للوزراء، ونفس المعركة الدينية بسبب فتوى ياسر برهامى، أو وجدى غنيم، وفى كل سنة يظهر شيخ أزهرى يتحول إلى بطل بسبب تصريح أو فتوى غريبة، وفى كل سنة يتعارك الأهلى والزمالك على لاعب من أندية الوسط، ومن يفوز بالصفقة يحجز معها مكانا فى الدكة لهذا اللاعب.

عموما المساحة مفتوحة، أنت قطعا تعرف ما هو أكثر منى، أنت تكرره كل عام بنفس التفاصيل، والتكرار يعلم الشطار، وكل شاطر يمكنه أن يضيف بنفسه آلاف الأحداث والقضايا والتفاصيل التى ننسخها سنويا بالكربون فى نفس الزمان، حتى بدت صورتنا لمن يشاهدوننا من بعيد وكأننا نجرى فى المكان ونلهث ولكننا لا نتحرك خطوة.
إضافة تعليق




التعليقات 3

عدد الردود 0

بواسطة:

حينى قريط

>>> بصراحه صح ...

عدد الردود 0

بواسطة:

الشعب الاصيل

ربنا يبارك قى حكومتنا الرشيده.. الكربون فى كل حياتنا .. احنا بتوع الكربون

بدون

عدد الردود 0

بواسطة:

Totatota

والله ماتزعل

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة