لا زلت أذكر هذا اليوم من أيام صيف العام 1992 وقتها كنا فى أواخر العام الدراسى فى المرحلة الابتدائية، وكان من المقرر أن أقول كلمة فى الإذاعة المدرسية هذا الصباح وكانت الكلمة قد أعدها لى والدى ولم أزل أذكر منها "إن يد الغدر الآثمة امتدت أمس، لتغتال واحدا من رموز الفكر ورواد التنوير هو الدكتور فرج فودة "لم أكن وقتها أعى هذه الكلمات كذلك لم أكن أعرف من هو فرج فودة ولماذا امتدت يد الغدر الآثمة لتغتاله".
عندما احترفت القراءة كان أحد أهدافى هو التعرف على فرج فودة فعرفته من خلال: الحقيقة الغائبة – الملعوب – الإرهاب – قبل السقوط – نكون أولا تكون – النذير – حتى لا يكون كلامًا فى الهواء – ووجدت فرج فودة نموذجًا فريدًا للمفكر المستنير الشجاع الذى يحترم عقله ووطنه والذى جعل من الحرية والإيمان بالثوابت الإنسانية رسالة دونها رقبته فلم يأبه بتهديدات خفافيش الظلام، التى توعدته بالتصفية الجسدية وساءه حين أعلنوا أنه المطلوب رقم 2 فى قائمة الاغتيالات وقال لاشك أننى مقصر فى رسالتى حيث لم أحتل المركز الأول فى القائمة.
كان فرج فودة أمثولة تاريخية تكررت أكثر من مرة فى التاريخ الإنسانى تجىء لتفضح الجهل وتعرى الجاهلين هو سقراط الذى سيق إلى منصة الإعدام وهو مرفوع الرأس حين إتهم بالتجديف وإفساد أفكار الشباب.. هو هيباتيا فيلسوفة الإسكندرية فى زمن الرومان التى إتهمت بالتفكير وإعمال العقل فى مواجهة كهنة الدين فتم تأليب الغوغاء ضدها لتلقى حتفها على يد العامة والجهلاء.
سيظل المشهد الأخير فى رواية اغتيال فرج فودة عبثيا مغرقا فى العبث حين سأل القاضى المتهم:
لماذا قتلت المجنى عليه؟
أجاب المتهم على الفور: لأنه كان كافرا
فعاد القاضى ليسأل: كيف عرفت أنه كافر؟
رد المتهم: من كتبه.
سأل القاضى: وفى أى كتاب من كتبه عرفت أنه كافر؟
أجاب المتهم: أنا لم أقرأ كتبه لأنى لا أعرف القراءة ولا الكتابة.
فرج فودة..أيها الفارس النبيل..
نم مستريحًا فأنت باق رغم خفافيش الظلام..
وأنت خالد... وهم إلى مزبلة التاريخ.
أسامة محمد لبيب يكتب: فى ذكرى رحيل فارس التنوير
الثلاثاء، 09 يونيو 2015 12:00 م
الكاتب فرج فودة