لو طلب إنسان من رجل عادى أن يشيد له ناطحة سحاب لظن به الخبال وقال مستنكرًا: "ولكنى لست مهندسًا" ولو طلب منه أن يقود دبابة لكان استنكاره أشد ولكن لو طلب منه فى أى وقت أن يدله على علاج للصداع الذى يلازمه أو عسر الهضم الذى يعانى منه، لانطلق وبدون أدنى تردد يغمره بأسماء الأدوية وكأنه أعلم الناس بالطب على اختلاف فروعه!! مع أن معلوماته الطبية لا تزيد بأى حال من الأحوال عن معلوماته فى بناء ناطحات السحاب أو قيادة الدبابة!! بل إنه قد يلازمه إلى أن يشترى الدواء ويتعاطاه أمام سمعه وبصره!!
هذا عن الرجل العادى، فما القول عن بعض ممن ينوبون عن السادة الصيادلة فى بيع الدواء من غير المؤهلين مهنيًا (وهم كثيرون داخل صيدليات مصر وخاصة فى المناطق الريفية والشعبية) عندما يقومون بتوقيع الكشف الطبى على المرضى الذين يضطرون إلى التردد على الصيدليات إما لسوء المعاملة التى يقابلونها فى مراكز الاستقبال فى المستشفيات الحكومية أو لضيق ذات اليد التى تحول بينهم وبين زيارة الطبيب المختص فى عيادته ويصفون لهم الدواء وقد يطلبون منهم إجراء بعض التحاليل وعلى الجانب الآخر يقومون بشحن المريض، عندما يذهب لشراء أحد الأدوية بتذكرة طبية ولا يكون متوفرا لديهم، بمعلومات قد تؤدى إلى تشاؤمه من الدواء وبث الرعب فى قلبه أن تناوله ناسين أو متناسين أن من قام بوصفه متخصص بعد مناظرة المريض وعمل البحوث والاطمئنان إلى أن هذا الدواء هو المطلوب والمؤثر فى الحالة المرضية التى يعانيها، الأمر الذى يجعل المريض يعود مذعورًا إلى الطبيب ومعه كم هائل من المعلومات عن الدواء هى فى الحقيقة حق أريد من ورائه باطل!! لأن الدواء سلاح، وكأى سلاح لا يحسن استخدامه إلا من تدرب عليه ومهر فيه، وعليه فالطرف الأكثر قدرة على استخدام الدواء فى العملية الطبية هو أقرب الأطراف إلى المريض ومعرفة حالته وهو الطبيب ولا أحد غيره مهما توفر على المعلومات الصيدلية. إننا فى حاجة ماسة إلى تفعيل المثل الدارج "أدى العيش لخبازه ولو ياكل ثلاثة أرباعه" إن الفهلوة إذا كانت من إنسان عادى فهى مصيبة، وإن كانت من إنسان داخل مجال التخصص فالمصيبة أعظم!! قد يعترض زملاؤنا الصيادلة على هذا الكلام بحجة أن فى أوروبا وأمريكا يقوم الصيدلى بوصف العلاج للمريض بعد تشخيص الطبيب لحالته وأقول لهم نعم إذا كان متخصصًا فى الصيدلة الإكلينيكية وهذا ما لا يوجد لدينا إلى الآن وإذا وجد فلا يبرر قيام الصيدلى بالكشف على المريض، قد لا يستطيع القانون أن يمنع الناس من إسداء النصح فى ساعات الصفو عندما تتناول أحاديث السمر أنجح الطرق لشفاء السعال أو آخر صيحات علاج الضعف الجنسى ولكنه بلا شك يستطيع أن يمنع العاملين داخل الصيدليات من توقيع الكشف الطبى على المرضى أو وصف تلك الأدوية التى لا يجوز صرفها إلا بموجب تذكرة طبيب متخصص ولن يتأتى ذلك إلا بتكثيف حملات التفتيش وعلى مدار الساعة وليس فقط فى أوقات العمل الرسمية والتركيز على الصيدليات المملوكة لغير الصيادلة وهى كثيرة للأسف الشديد.
أطباء فى مستشفى - أرشيفية