خالد صلاح

الانبا ارميا

"الثقة والوعود"

السبت، 30 مايو 2015 08:11 م

إضافة تعليق
"امتلأت عيناه بالدُّموع. وإن كان قد تعلم منذ صباه أن الرجال لا يبكون، إلا أن مشاعر التِّيه والشُّرود تملأ وِجدانه كأنه فى قارب تتقاذفه أمواج الحياة فترتفع أفكاره وتتهاوى محدثة دَوِيـًّا هائلــًا فى أعماقه. وتتردد أصداء كلمات تصرخ: «لماذا يا صديقى؟ لقد كسرتَ الثقة ومعها كُسر قلبى!». وابتلع الكون أنّاته، ليرتفع صوت أمواج تتكسر على الشاطئ، مصحوبة بآلام تَكسُّر الثقة على جدران الحياة".

فى رحلة الحياة، تمر بنا كثير من الأمور التى تتحطم، فمنها ما يمر دون أن ينجذب إليها انتباه أحد، ومنها ما يتحطم مصدرًا آلامـًا مبَرِّحة فى أعماق الإنسان، وجُروحـًا لا تُضَمَّد بيسر، لذٰلك كُن حَذِرًا فى معاملاتك مع الآخرين لئلا تحطم فيهم ما لا يمكن استعادته.

الثقة والوعود أمران فى حياة كل إنسان لهما تأثير عميق، فإن فُقدا تغيرت الحياة بالنسبة إليه. فلا تحطِّم ثقة أحد بك، ولا تَكسِر الوعود. يقولون: "أبدًا لا تَكسِر اثنين فى حياتك: الثقة والوعود، لأنهما متى كُسرتا، يصدر لا صوت فقط بل كثير وكثير من الألم.". إن الإنسان يحتاج إلى سنوات طويلة ومواقف قوية لكسب ثقة الآخرين به، فإن اهتزت وفُقدت، ربما لا يكفى العمر بأسره لاستعادتها! والوعود ترتبط ارتباطـًا وثيقـًا بالثقة، فمن ينكر وعده يَكسِر الثقة فى أعماق من وعده. وهٰكذا لا تقدِّم وعودًا لا تستطيع تحقيقها حتى لا تؤلم الآخرين بكسرها.

أيضـًا عليك أن تحترس من كسر قلب إنسان قدَّم إليك كل الود والإكرام والخير، فعندما تجرح مثل ذٰلك الإنسان، لن تستطيع إصلاح الأمور بسهولة ويسر، مهما حاولتَ! وجميعنا يتذكر قصة الأب الذى كان له طفل غضوب، وطلب منه دق بعض المسامير فى سور الحديقة الخشبيّ، ثم نزعَ المسامير، وهنا أوضح للطفل أنه ما يزال أثر المسمار فى السور. وهٰكذا الكلمات الجارحة: تترك آثارًا فى النفس لا يسهُل علاجها. لهٰذا، كُن، عزيزى، حريصـًا فى كلماتك وانفعالاتك لئلا تجرح بها إنسانـًا يحمل لك الخير فى الحياة.. وتذكّر أن الله لا يقبل أن يقابَل الخير بالشر، فما يفعله الإنسان يحصِده.

وفى الحياة، لا تَكسِر الجسور الممتدة بينك وبين الآخرين، فالحياة رحلة طويلة ربما تحتاج يومـًا إلى هٰذا الجسر أو ذاك فتجده سليمـًا، حتى إن اعترته عوامل الزمن أو القدم إلا أنك تستطيع ترميمه فتستمر مسيرة الحياة. إن الحياة تحمل كثيرًا من المعاناة والألم، وليست فى حاجة إلى مزيد من الوجع والفُرقة بين البشر أو الهدم، وإنما نحتاج فيها إلى مزيد من الثقة والمحبة اللتين تساعداننا على عبور أزمات الطريق ومشقاته، مزيد من الاحترام والإنسانية. نحتاج إلى مصابيح ضوء: الخير، والتفهم، والاحتمال، كى نحملها جميعـًا فلا نتعثر فى الطريق الذى يجمعنا. أعجبتنى حكمة رجل كفيف، خرج ذات يوم يشرب من النهر، يحمل مصباحـًا ينير به الطريق! فسأله أحد المبصرين: لماذا تحمل مصباحـًا، وأنت لستَ فى حاجة إليه؟! قال: أحمله لكى لا يصدمنى المبصرون!!

* الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسيّ
إضافة تعليق




التعليقات 2

عدد الردود 0

بواسطة:

.

.

عدد الردود 0

بواسطة:

مدحت

يسلم قلمك يا سيدنا

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة