فى نفس هذا الوقت من نحو مئة عام، وعلى مقهى شعبى ببلدة صغيرة على ضفاف النيل، اتفق يوسف أفندى الجندى المحامى ومحمد عجينة (صاحب مكتبة) والشيخ كفراوى على إعلان استقلال بلدتهم عن بريطانيا العظمى! حدث ذلك فى بلدة زفتى بمحافظة الغربية، وبالتحديد فى 18 مارس بعد أيام من نفى سعد باشا زغلول إلى جزيرة سيشل. الفكرة مجنونة تكشف عن جبروت لا حدود له، وإرادة تحرير وطنية تليق فعلاً بأحفاد فراعنة. وما هى إلا أيام حتى التف أهل القرية حول الفكرة وأعلنوا استقلال بلدتهم بالفعل فى تحدٍّ سافر لبريطانيا العظمى فى أوج مجدها.
وفى خضم مظاهرات 1919 التى خرجت فيها جموع الشعب المصرى بكل طوائفه تنادى بالاستقلال وإعادة سعد من منفاه. كانت خطوة اعلان الاستقلال القادمة من عمق الريف المصرى كضربة نبوت ريفى هوت على رأس المحتل فأصابته بالإغماء. فكرة الاستقلال لم تكن مادية بل معنوية ووطنية بحتة، مفادها إعلان رسالة قوية الى انجلترا والعالم أن حلم الاستقلال الذى طالما نادى به أحرار مصر وفى مقدمتهم سعد زغلول ليست حلما بعيد المنال، بل احتمال وارد وجاهز! العبرة هنا ليست فى النتائج بقدر ما تكمن فى مغزى تصرف الشخصية المصرية وقت الأزمة، حين لجأ المصريون للداخل لا إلى الخارج. إلى الأرض، إلى هويتنا الوطنية. لهذا لم أستطع أن أمنع نفسى من الابتسام حين علمت أن التعديل الوزارى الجديد أسفر عن وزير داخلية من المنوفية. النكتة المتداولة حالياً: رئيس منوفي، وزير دفاع منوفي، وزير داخلية منوفي... إنها منيفة مصر! ليس الأمر كذلك. إننى قاهرى أباً عن سابع جد ولكننى فى الوقت ذاته أدرك جيداً أن هويتنا الوطنية تنبع أساساً من عمق الريف المصري، فالمنوفية هنا مجرد رمز، وبدلاً من شعار الجماعات الإرهابية المحتكرة لدين الله والمتاجرة به أقول: نعم أيها السادة "المنوفية هى الحل"! مصر هى الحل، العودة لمبدأ الأرض-العرض، إيماننا بالله وبدينه القويم والتشبث بهويتنا الوطنية هو الحل، وهو سلاحنا الخارق وقت الأزمات لمواجهة أعداء الوطن، إننى متفائل بالمصادفة، وننتظر من الرجال الثلاثة ألا يكونوا مجرد ثلاثة مسئولين بل ثلاثة من المناضلين الجدد، لا يقلون إيمانا بالوطن عن إيمان يوسف الجندى ومحمد عجينة والشيخ الكفراوى حين أعلنوا استقلال مصر من مقهى صغير على ضفاف النيل، ولاشك أن المصريين سيلتفون حولهم كما حدث من أجدادهم من قبل.. والله الموفق والمستعان... تحيا مصر....
صورة أرشيفية