محمد فؤاد

مصر وخطر الاحتكارات العالمية للأدوية

الثلاثاء، 03 نوفمبر 2015 08:00 م


يعد الدواء أهم السلع الضرورية لحياة المواطن، ويرقى ليُعد مؤشراً حاكماً من مؤشرات التنمية ‏البشرية والرفاهية العامة. ومن المهم فى هذا السياق، أن يتوفر لكل مواطن العلاج الملائم، بسعر مناسب، ووفق ‏المواصفات الدولية المعتمدة.

تُعدُّ صناعة الدَّواء فى العالم من أكثر القضايا الحيويَّة التى تهمُّ الملايين حول العالم ويعد الدواء احد اساسيات الحق فى الحياه حق أصيل أوصت به الدساتير والعهود والمواثيق الدولية. أهمية خلق صناعة دوائية وطنية قوية، قادرة على تغطية أهداف السياسة العامة للدولة.

فى بدايات القرن ظهر الدواء كأحد أدوات التأثير السياسى على الدول ففى أعقاب العدوان الثلاثى على مصر امتنعت شركة بأير الألمانية العالمية عن إمداد مصر بالأسبرين وقامت شركات أخرى بالمضى فى نفس الاتجاه تنبه هنا الرئيس جمال عبد الناصر لهذه القضية الحيوية فأمر الدكتور أحمد أبو العنين أحد أهم رواد صناعة الدواء المصرية بالتصرف فقام بتأسيس إحدى الشركات العامة الكبرى للتعامل مع هذه الأزمة وأصبحت الشركة 11 شركة عامة تمد المصريين باحتياجاتهم الضرورية من الأدوية الاستراتجية.

ومع تطور الأعوام ظهر الدواء كأحد أهم اليات الضغط السياسى على الدول التى تمضى فى طريق النمو وإثبات الذات وفتح آفاق للتصنيع.

وكما تقول مجلة فوربس العالمية أن أرباح شركات الأدوية العالمية جاءت فى المرتبة الثانية بعد تجارة السلاح وقبل تجارة المخدرات.

ويظل الدواء السلعة الوحيدة التى لا تتأثر بأى أزمات مالية عالمية ففى الحالة المصرية المرتبكة قدرت مبيعات التسعة أشهر الماضية من هذا العام بحوالى 21 مليار جنيه دون مبيعات الشرطة والقطاع العام متجاوزه رقم العام السابق كاملا بحوالى 700 مليون جنيه بحسب شركة الإحصاء العالمى لمبيعات الأدوية ims .

ويتضح من خلال الإحصاء أن نسبة استحواز 17 شركة أجنبية فى مصر 61% بمبيعات تقدر 14 مليار جنيه، بينما تتجه الشركات العابرة للاندماجات طمعا فى أرباح طائلة يساعدها فى هذا برامج بحث علمى وصلت نسبة الاستثمار فيها بحسب مجلة (لانسيت) إلى 2005 عن العام السابق إذ وصلت إلى 17 مليار دولار وهذه البرامج تساعد الشركات متعدده الجنسية فى اكتشاف الأدوية الحديثة فى وقت لا تقوى الشركات المحلية على مواجهة هذا نظرا لافتقاد الدول لكامل منظومه البحث العلمى فى مجال الاكتشافات الدوائية.

ففى مصر واقع قطاع البحث العلمى، وهو أحد أسوأ القطاعات على الأقل فى مستوى إنفاق الدولة عليه؛ حيث لم تزد ميزانيَّة البحث العلمى فى مصر عمَّا نسبته 0.4% من حجم الموازنة العامة السَّنويَّة.

لا يملك الوطن العربى من براءات الاختراع العالمية سوى نسبة 5 فى المائة، وبينما لديه كفاءاتٌ بشريَّةٌ علميَّةٌ على أعلى مستوىً، إلا أنَّه لا يوجد إنفاقٌ على هذا المجال، فضلاً عن عدم وجود سياسةٍ عامَّةٍ تُساعد على قيام البحث العلمى بتقديم المعرفة له.

فى المُقابل فإنَّ القطاع الخاص يتسم بالجُبن، أو ما يُعرَف فى العلوم الاقتصاديَّة بعبارة "رأس المال جبان"، فلا يُقدِم على الاستثمار فى مجالات البحث العلميِّ؛ حيث إن المردود أو العائد الاستثمارى فى هذه المجالات طويل الأمد، بما يتنافى مع اعتبارات الرِّبحيَّة التى يسعى إليها القطاع الخاص
وقد ساعدت منظمة التجارة العالمية هذه الشركات العابرة على إحكام سيطرتها بواسطة بعض القوانين التى وقعت عليها مصر منذ خمسة عشر سنة حتى أصبحت القوانين حجر عثرة أمام أى نمو حقيقى لصناعة الدواء.

إن اتفاقية (التريبس) اتفاقية حماية الملكية الفكرية فى مجال الخدمات التى وضعتها مُنظَّمة التِّجارة العالميَّة وهى أحد أهم آليات العولمة حيث تم إقرارها بعد ضغوط عنيفه من الشركات العملاقة عقدت منذ إنشائها- فى صورة اتفاقيَّة الجات- منذ العام 1947م، ثمانى جولاتٍ، كان أهمها دورة أوروجواى التى استمرَّت فى الفترة من العام 1986م إلى العام 1993م، التى تمَّ التَّوصُّل إلى اتفاقيَّة (لتِّريبس) فى إطارها، وأثارت جدلاً واسعًا حول إقرارها نتيجة لتعارض المصالح بين الدِّول الغنيَّة والدِّول الفقيرة فى هذا الإطار.

وقد قدرت كريستيان ساينس مونتور خسائر قطاع الأدوية فى الدول النامية بسبب قوانين التريبس بـ250 مليار دولار خلال عشرين سنة. شرط امتداد حماية براءات اختراع الأدوية لمدة عشرين عاماً، وصعوبات تنفيذ الترخيص الإجبارى. ورغم أن دورة الدوحة 2002 قد وضعت مرونة هامة خاصة أنها جاءت بعد دورة سياتل التى شهدت أعنف احتجاجات من مناهضى العولمة ضد المنظمة وضد الشركات العابرة إلا أنها وضعت قيودا أخرى تكرس للاحتكارات العالمية.

ورغم أن صناعة الأدوية حظيت بنصيب كبير من حجم الاستثمارات الموجهة إلى مصر خلال العشرين عاما المنقضية، حيث زاد عدد الشركات المنتجة بشكل كبير 140 شركة و160 مصنعا كبيرا وأكثر من 1250 شركة دواء صغيرة فيما يسمى شركات التول التى تصنع منتجاتها لدى الغير. كما انتشرت المكاتب العلمية التابعة للشركات العالمية إلا أن هذه الشركات لا تقدم جديدا أو استطاعت أن تقوم بالتغيير النوعى واقتصر عملها على تحقيق مكاسب مالية بدون أى قيمة مضافة للاقتصاد المصرى إلا من بعض الشركات تعد على أصابع الأيدى الواحدة.
صناعة الأنسولين
بات حق مرضى السكر فى مصر 9 ملايين مريض بحسب الجمعية المصرية لأمراض السكر فى خطر داهم بفضل تحركات دولية تقوم بها الشركات العابرة لالتهام نحو 12 بليون دولار حجم المبيعات العام الماضى حول العالم. إن عدد المصابين به على مستوى العالم يزيد على 250 مليون شخص ومن المنتظر ازديادهم فى عام 2025 إلى 380 مليون ويقدر عدد الوفيات السنوى بهذا المرض حوالى 4 ملايين شخص ومصر وحدها تحتل نسبة عالية من الإصابة بهذا المرض تمثل 11% من المصريين وتحتل المركز الثامن عالميا وبحلول عام 2020 سوف تصل النسبة إلى 14%، وأكثر من 20% من المصابين بالسكر فى مصر من الأطفال وصغار السن وفقا لتقارير منظمة الصحة العالمية وهى نسبة تستدعى الاهتمام والانتباه لهذا الوباء اللعين .

ويحتفل العالم فى شهر نوفمبر بالبداية الحقيقية لاكتشاف الأنسولين 1921 بواسطة العالم الألمانى فرديرك باتينج ومنذ هذا التاريخ والحرب تدور بين الشركات حول الأرباح. فمنذ عشر سنوات دخل رئيس هيئة المصل واللقاح حربا طاحنة بسبب حصوله على تكنولوجيا تصنيع الأنسولين من الصين ثم الهند ثم بولندا وراحت حرب شديده تدب ووضعت عراقيل فى الطريق نفذتها شركة أجنبية حتى ترك الرجل الهيئة كلها.

وبعدها بسنوات امتنعت نفس الشركة عن توريد الأنسولين بعد أزمة دولية حدثت وضعت الشركة على قوائم المقاطعة العربية، فى نفس الوقت الذى تقوم فيه الشركة برعاية مشاريعها فى كل من إيران وإسرائيل لإقامة مصنعين بدعم لوجستى وتقنى وعلمى منها تقوم عن طريق بعض الأطباء منعدمى الضمير بإشاعه حرب حول فرص تصنيع الأنسولين المصرى الذى تفوقت فيه هيئة المصل والقاح وشركة النيل العامة ومعها إحدى الشركات الخاصة سيدكو.

وقد خسرت شركه النيل نحو 27 مليون جنيه بسبب عراقيل وضعت فى طريقها لوقف خطوط الإنتاج.
لقد أن الآوان للبدء فى خطه للاستقلال الدوائى بعيدا عن الشركات العملاقه لبسط النفوذ المصرى حماية للشعب بل والشعب العربى حيث تحظى الصناعة المصرية للإنسولين بتفوق واضح بعد أن أقدمت دول مثل تايلاند وأوكرانيا ودول الاتحاد السوفيتى السابق الاعتماد على الأنسولين المصرى.

* رئيس المركز المصرى للحق فى الدواء .


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة