لن أكتب جملا عن عبقرية نور الشريف، ولا كونه واحدا من أهم فنانى جيله، يملك وجهة نظر، فنان قارئ مثقف، وهو شىء بات نادرا، فنان يعرف قيمة الكلمة، وأن يكون صاحب موقف واضح بعيدا عن التميع، لكننى أريد التركيز على أن نور الشريف الفنان يحتاج للكثير من الدراسات المتخصصة، حول منهجه التمثيلى، نور القادر على اكتشاف واصطياد المواهب والوقوف بجوارها، يحتاج فصلا كاملا فى دراسة، نور السياسى، نور الإنسان، المتحضر، كل هذا الكلام وأكثر صاغه، قبيلة نقاد وصحفيون، وحتى سياسيون.
سأحدثكم عن مشهد بتفاصيله، يعكس تلك التركيبة الفريدة فى نور الفنان والإنسان والمثقف صاحب الرؤى، فى حفل افتتاح مهرجان الإسكندرية السينمائى بدورته الـ30 التى تحمل اسم النجم الكبير، الذى خرج على جمهوره والحضور بضحكة، أضاءت المسرح بلا مبالغة.
وهو يقف متصدرا المشهد يحكى عن السينما، وأهمية السينما، ودور العرض التى كانت تملأ ميدان السيدة زينب، وساهمت فى تشكيل وعيه، وفى أن يصلح ممثلا من العيار الثقيل، وهى السينمات التى أهملت وهدم معظمها، وتم تحويله إلى عمارات سكنية، ومحلات أحذية، وغيرها من المشروعات، واستمر هذا الوهج على المسرح، وصولا إلى لحظة الذروة وهى اللحظة التى تجلى فيها نور الشريف بكل ثراء شخصه، عندما شاهد المخرج التونسى الكبير الطيب الوحيشى، فى لحظة تكريمه، الذى صعد على خشبة المسرح على كرسى طبى متحرك نظرا لحالته الصحية، حيث أصابه إثر حادث أليم أثناء تحضيره لأحد مشروعاته الفنية، وتحول المخرج الذى كان يملأ الدنيا إبداعا وحيوية وحركة حبيس ذلك الكرسى اللعين، وبحسه الإنسانى المتفرد جرى نور الشريف على خشبة المسرح، وقبل الطيب الوحيشى، وأمسك هو بالكرسى، وصار مسؤولا عن حركة المخرج على المسرح، فى لحظة تكريمه، وإلقاء كلمة قصيرة، يشكر فيها الحضور، وإدارة المهرجان، ويتحدث عن علاقته الأثيرة بمهرجان الإسكندرية تحديدا ومصر عموما، وبتواضع أصحاب المواهب الحقيقية، وقف نور يراقب الموقف، ممسكا بكرسى الطيب، وكأنه يوجه رسالة إلى نفسه أولا وإلى الحضور ثانيا، مؤكدا دون أن ينبث بكلمة، أن المحن مهما عظمت، فنحن نقدر على مواجهتها، وأن النفس البشرية ضعيفة جدا، رغم ما تبديه من قوة، وأن حب الحياة هو ما يجعلنا نواصل التحدى، نور فى محنة والطيب الوحيشى فى محنة جعلته جليسا، ولكن الاثنان يصران على العمل.
وأثناء وقوف نور ممسكا بكرسى الطيب المتحرك فى مقدمة المسرح كان المشهد جليا وكاشفا، لذلك الحس الصوفى داخل النجم نور الشريف، ذلك الحس الذى يبث روحا من المقاومة، ويصل إلى المعنى الحقيقى للإيمان والحياة، ويقول للحضور إنها لحظة تلك التى قد تجعلنا نستغرق فى الزيف، أو ننفضه من حولنا لنكون أنفسنا.
نور الشريف الفنان البهى، الذى لا يزال يملك روح طفل بداخله، وهى الروح التى تجعله لا يتوقف عن طرح الأسئلة، سواء على المستوى العام أو الشخصى، وهو ما يجعله واحدا من أيقونات الفن العربى والمصرى، الذى يمتلك تاريخا شديد الثراء والتنوع، يدرك جيدا أهمية ودور الفن، وضرورة التنوع، لذلك فهو من النجوم القلائل الذين نجدهم يمتلكون مشوارا حافلا لأفلام تجارية جنبا إلى جنب مع الأفلام ذات القيمة الفنية، التى تعد من كلاسيكيات السينما المصرية والعربية ومسرحيات ومسلسلات لا تقل تنوعا، وعمل مع معظم المخرجين، ورغم أنه مخرج إلا أنه لم يتعال على أحد وكان يترك نفسه عجينة لينة يشكلها المخرج، بدءا من حسن الإمام ومحمد فاضل وصولا لداوُد عبدالسيد وعاطف الطيب ويوسف شاهين وسمير سيف، لذلك وكما قال عنه الكاتب الكبير خيرى شلبى عندما قرر أن يصف موهبته «رق الإناء وراقت الخمر.. فتشابها واختلط الأمر.. فكأنما خمر ولا قدح.. وكأنما قدح ولا خمر، «وهنا يقصد كاتبنا الكبير أن موهبة نور الشريف تماهت مع الفن وصار كل منهما مرادفا للآخر، كما أن أى مراجعة فنية لسينما نور الشريف، وأى مرور على ملامح البطل الذى قدمه فى أفلامه التى تقارب 200 فيلم إنما هى أيضا مراجعة للتاريخ الاجتماعى والسياسى والاقتصادى للمجتمع المصرى خلال 4 عقود، وهى فى جزء كبير منها مراجعة أيضا للتاريخ السياسى والاجتماعى للحياة العربية بشكل عام.