هيييييييييه دنيا.. هكذا خرجت تنهيده بطعم مرارة السنين من هذا الشيخ الكبير وهو يصف حال ريف مصر قديمًا وكيف كان دور الفلاح المصرى (المناح).
فلاح مصر الذى كان يسابق نسمات الفجر قبل أن تراقص أوراق الأشجار ليجهز وجبة الإفطار (لعصافير النيل) التى تغدوا خماصا باحثة عن الأرزاق فى البكور
فلاح مصر المعطاء (المناح) الذى كان يمد أهل البندر بما لذ وطاب من منتجات (الغيط) الذى كان يمنح بسخاء فقد أدى الفلاح (زكاة الزروع) فتبارك إنتاج أرضه بالخير الوفير، فلاح مصر الذى كان مصدر توريد منتجات الألبان الطازجة التى منحتها إياه مواشيه التى يرعاها بعناية.
ثم يلتفت لى فجأة هذا الشيخ الكبير ليقول. هل تصدق يا ولدى أن مجرد خطوات الفلاح فى ارضه تعتبر سماد تغذى الزرع وكأنه يتحدث مع مزروعاته فتحكى له مطالبها ويحكى لها ما يخفيه فى قلبه عن الآخرين فهى موضع سره.
جلست بمفردى أتأمل كلمات هذا الشيخ الذى عاصر الزمن الجميل للفلاح المصرى فهو يحادثنى وكأن عيناه تجتر ذكريات من ماضى سحيق، وفجأة ينتفض الشيخ وكأن الواقع اختلف بشكل مفزع ويقول لكن الفلاح الآن يسابق أهل البندر على الوقوف فى صفوف متراصة انتظارًا لدوره فى خبز مسلوق (حسب تعبيره) ثم يكمل مسيرته ليأتى لأهل بيته بمنتجات الألبان المبسترة والأجبان المعلبة.
وسألت نفسى اين الخطأ؟ ومن المسئول عما وصلنا إليه الآن من سلوكيات؟
فالفلاح المصرى كان له الفضل على العالم أجمع حيث كانت مصر مخزن الغلال للعالم القديم وهذا ليس كلام للمجاملة أو كلام مرسل بل حقيقة ذكرها رب العزة فى كتابه الكريم عندما قال على لسان يوسف عليه السلام (اجعلنى على خزائن الأرض).
إذن أين الخلل ؟ وهل الخلل يعود لسلوكيات الفلاح فقط أم هى منظومة فشل متكاملة شاركت فيها الحكومات المتعاقبة؟ بالتأكيد هناك مسئوليات على الفلاح المصرى وكذلك على الحكومات المتعاقبة.
فالفلاح المصرى بات ساهرًا على التلفاز حتى آخر السهرة الطويلة غير عابئ بمسئوليته فى الصباح الباكر مما استوجب صحوته المتأخرة ليجد مواشيه تتضور جوعا فتحرمه من منتجات الألبان فينتفى عنه صفة المنتج ليتحول إلى مستهلك.
ثم تتثاقل أقدامه وهو يمر بين مزروعاته التى أصابها الإهمال والعطش فقد مرت نوبة الرى عليه وعليه أن ينتظر (لمواشيه) أخرى أو دوره فى رى الأرض، وحتى يعالج كل ما سبق من إهمال وعدم مسئولية عليه أن يستعين بالكيماويات بدلاً من السماد العضوى الذى لم يكن ليسبب أى أمراض للتربة أو للزرع وبالتأكيد للإنسان أيضًا، فيبدأ بالاستعانة بالكيماويات بل ويتطور تفكيره الجهبذ بالاستعانة بالهرمونات والمواد المسرطنة التى ابتلينا بها فهو يريد أن يسابق الزمن ليلحق بالحصاد حتى لو تسبب فى حصاد أرواح الناس عن طريق الأمراض التى يضعها هذا باختصار مبسط دور الفلاح الذى تحول من منتج إلى مستهلك.
أما عن دور الحكومات الرشيدة فحدث ولا حرج فقد أهملت الحكومات المتعاقبة الفلاح المصرى.
صالح المسعودى يكتب: الفلاح المصرى بين المنتج والمستهلك
الأربعاء، 06 أغسطس 2014 08:08 م
صورة أرشيفية