جمال الجمل

الخواجة ليس على رأسه ريشة

الإثنين، 04 أغسطس 2014 08:17 م


«الحكام العرب يكرهون حماس أكثر من إسرائيل». انتشرت هذه العبارة المنقولة فى كثير من الصحف ومواقع الإنترنت، وتم تلوينها وتحريفها بما يناسب سياسة وهوى كل منصة إعلامية، وأنقل لكم أمثلة من العناوين الملونة:
- مصر تقود تحالفًا مع إسرائيل ضد حماس
- زعماء العرب «الصامتون» يعتبرون حماس أسوأ من إسرائيل
- القادة العرب يباركون مجازر غزة لأن حماس أسوأ لهم من إسرائيل
ولما عدت إلى النص الأصلى الذى نشرته نيويورك تايمز يوم الخميس الماضى، وجدت أن الأمر مختلف، وأننا نصطاد العناوين ونهدر جوهر الكلام، حتى أننا نترجم نظريات كاملة على هوانا، ونعيش فى أوهامنا، ونستخدمها ونرددها ونبتعد بها تماما عن النص الأصلى، وأتذكر عندما جاء الفيلسوف الفرنسى جاك دريدا إلى القاهرة فى ربيع عام 2000 أبدى اندهاشه أثناء حضوره مائدة مستديرة مع المثقفين من طريقة فهمهم لفلسفة التفكيك، وكنت قد قرأت أن سارتر أبدى مثل هذه الملاحظة عن ترجمات «الفلسفة الوجودية» عندما زار القاهرة فى الستينيات، أى أننا ظللنا (ربما حتى الآن) نستهلك وجودية أنيس منصور وعبدالمنعم الحفنى، وهى وجودية «عمولة» بعيدة عن أفكار سارتر الأساسية!
حقيقة القصة التى روج لها موقع إسرائيلى، وتناقلها الجميع استسهالا أو توظيفا لأغراض سياسية، أن مدير مكتب نيويورك تايمز فى القاهرة ديفيد كيركباتريك أعد تقريرا مجمعا، عن الموقف العربى من عملية «الجرف الصامد» ضد غزة، باعتباره مراسلا للصحيفة فى الشرق الأوسط، ونشر التقرير يوم الخميس الماضى بعنوان « قادة عرب يصورون (أو يظهرون) حماس باعتبارها أسوأ من إسرائيل»، والصمت مستمر.
التقرير ينطلق من ملاحظة صائبة، سجلها كيركباتريك أكثر من مرة فى تغطياته السابقة، وهى تتعلق بما أسماه «عزلة حماس فى الإعلام المصرى»، وزيادة النقد العلنى الشرس ضد الحركة فى البرامج التليفزيونية، لدرجة أن إسرائيل قامت بنشرها فى غزة (حسب تعبيره).
هذا الموضوع الشائك الذى سال فيه الكثير من الدم والحبر المصرى، لا يمكن التعبير عنه بموضوعية إذا توقف المراسل عند تعبير من هنا، وتعبير من هناك، خاصة وأن إعلامنا يتراوح بين «موسى وعيسى»!
النقطة الثانية أن النقل نسب التصريحات إلى الصحيفة، وبعضهم اعتبر التغطية «مقال رأى» لكيرباتريك، والحقيقة غير ذلك، فهى مجرد تقرير شارك فيه ثلاثة محررين: ميرنا توماس، وكريم فهيم من القاهرة، وبن هوبارد من غزة، مع أن المصادر الرئيسية فى التقرير ليست من هنا، ولا من هناك، فالعنوان والضجة أثارهما تصريح مقتضب للباحث والدبلوماسى الأمريكى السابق أرون ديفيد ميللر، وهو يشغل حاليا موقع نائب رئيس مركز «وودرو ويلسون» الدولى فى واشنطن، وعمل لمدة ربع قرن مستشارا بحثيا بشؤون الشرق الأوسط مع 6 وزراء خارجية أمريكيين، يعتبر أفضلهم جيمس بيكر، وأسوأهم جون كيرى، ولهذا يتحامل على دوره فى المنطقة، مع أنه فى بعض تحليلاته يبتعد عن العوامل الشخصية، ويعود للتركيز على الظروف الموضوعية التى أسهمت فى ضعف السياسة الخارجية لواشنطن فى المنطقة.
وميللر صاحب كتاب «أرض الميعاد: البحث المراوغ لأمريكا عن السلام العربى الإسرائيلى»، تعجب من الصمت العربى تجاه العدوان، وأوضح أن الحروب السابقة كانت تشهد مطالبات عربية سريعة بوقف العدوان، وبدت إشاراته فى اتجاه السعودية، وعزى ميللر هذا التثاقل العربى باتجاه وقف العدوان إلى الخوف من كل ما يخص الإسلام السياسى، للدرجة التى جعلت هذه الدول تتغلب على حساسيتها تجاه بنيامين نتنياهو.
ميللر يرى إذن أن هناك حساسية عربية تجاه نتنياهو وإسرائيل، ولم يتحدث عن تعاون أو مباركة للمجاوز، تحدث عن تباطؤ، وحساسية من مشروع الإسلام السياسى، وعندما تحدث عن دور السعودية، والأردن، والإمارات، لم يذكر أبدا قصة أى تحالف مع إسرائيل، لكنه قال إنهم وقفوا مع المبادرة المصرية، ولم يوجهوا اتهامات مباشرة لإسرائيل، واكتفوا فقط بإدانة سفك دماء المدنيين الأبرياء.
طبعا فى قواعد المهنة، الخواجة ليس على راسه ريشة، وفى تقديرى أن تقرير كيركباتريك وقع فى أخطاء التسرع والانحياز، حتى أنه أهمل تماما التوازن فى قصته الخبرية، ولم يجتهد فى عرض وجهة نظر الطرف الذى يهاجمه، واكتفى باستضافة باحث مصرى الأصل له ميول قطرية، وهو خالد الجندى الذى عمل لفترة مستشارا لفريق صائب عريقات للمفاوضات الفلسطينية فى رام الله، فى مفاوضات الوضع الدائم مع إسرائيل من عام 2004 إلى عام 2009، وشارك فى مفاوضات أنابوليس عام 2008، ويعمل الآن كباحث زائر بمركز (سابان) لدراسات الشرق الأوسط التابع لمعهد بروكنجز بواشنطن، وهو من المتحمسين للإخوان، ويرى أن مستقبل مصر مرهون بمشاركتهم، ودمجهم فى العملية السياسية، وقدم الجندى رؤية استشراقية سطحية عن وجود تقارب فى المصالح بين هذه النظم العربية وبين إسرائيل، وهو اتهام غائم، يعود لتفسيره بشكل خفى عندما يقول إن هذه المصالح تتمثل عند العرب فى القضاء على قوى الإسلام السياسى، وتتمثل عند تل أبيب فى القضاء على الجناح العسكرى لحركة حماس، معتبرا أن الربيع العربى جاء لصالح إسرائيل، ولم ينس أن يهاجم الإعلام الرسمى، ويتهمه بتعبئة الرأى العام المصرى ضد حماس، بوصفها جزءاً من مؤامرة إرهابية إقليمية، لزعزعة استقرار مصر والمنطقة، وهى الوسيلة نفسها، التى استخدمتها السلطات المصرية للإطاحة بمرسى!.
واختتم كيركباتريك تقريره برأى خبيث للباحث الإسرائيلى الأمريكى مارتن كرامر، قال فيه إن معظم الحكومات العربية، (واستخدم تعبير الإدارة المصرية وحلفائها مثل السعودية) لديها رغبة فى هزيمة حماس، حتى لا تظهر بمظهر اللاعب القوى فى المنطقة .
المثير أن كرامر رئيس كلية شاليم عمل باحثا أيضا فى مركز «وودرو ويلسون»، وبدون أى تصنيف للمركز، ما يعنينى أن كيركباتريك ضرب التقرير بدون تنويع للمصادر ولا توازن، ولا تمصيل جيد للاطراف، ونحن ترجمناه، وروجناه على علاته، وكل قارئ يفهم اللى يريحه!.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة