مع مرور الوقت، ها أنا أكتُب من جديد، ليس حباً فى سواد عيون الكتابة، ولكن للرغبة الدفينة التى تعاودنى بين الحين والآخر، فى إخراج ما عجز اللسان وكلماته المتساقطة عن التعبير، فما وجدتُها إلا منفثاً للروح وطريقٌ أمثَل للتعبير عن ثورات نفسى ومشاعرها المهترئة، بعد تراكم لأزمات ومواقف مرت على وقراراتٌ اتخذتُها كان أجملها مُرًا.
وتأتى البداية من الأصدقاء باعتبارهم الأقرب للإنسان حين تضيق بِه هموم الدنيا، فبمُضى السنين أجد الاختلافات فى رؤانا وأفكارنا وحتى فى شخوصنا تبدأ فى الأتساع شىء فشىء، أين هُم الآن من كنت أظنهم نصفى الآخر، الذين خلقهم الله لأشاركهم أفراحى وآلامى ومشاكلى، لعلها مشاغل الحياة والاهتمامات التى تتجدد يومياً استحدثت تلك الفجوة بيننا !.. لا أعلم ولكن ما أعلمه أنها أفسدت علاقتى بكثيراً منهم.
أما عن العلاقات العاطفية والتى تبعث بالطمأنينة للنفس، لوجود شريك تقتسم معه حياتك بكل تفاصيلها، فلم أذق طعمُها غير ذات مرة منذ سنوات وانتهت بالفشل، حاولت بعدها تكرار الأمر ولكن اتضح أن ما قالته شادية فى أُغنيتها الشهيرة "القلب يحب مرة مايحبش مرتين" صحيحاً، حيثُ ظلمت من لا ذنب له فى حمل وزر غيره، وانسد أى طريق لبناء علاقة ناجحة فى وجهى.
وننتقل إلى أكذوبة سموَها "أسرة"، وما وجدت منها بالأُسرية فى شىء، إنما هى "لوكاندة" للأكل والشرب والنوم ومصروفاُ أتقاضاه كل شهر، ولا أظن أن أحدا منها يعلم ربع شخصيتى الحقيقية بكل ما يقع عليها، بالرغم من المحاولات اليائسة لبث روح الاجتماع والمشاركة وإحياء روحاً افتقدها عندهم .
تراكمت نتائج ما سبق من غياب الآخر فى إحداث ذبذبة فى تكوين شخصيتى، ما جعلنى اتخذ عشرات القرارات التى أندم عليها الآن، وأتحول إلى العديد من الأنماط البشرية فى زمن قليل، لأكون المتدين، ثم البذىء، المثقف، التافه.. إلى آخره.
إلا أننى أُعزى تلك التغيرات إلى ما سميته بـ"الخروج من الشرنقة"، وهى شرنقة واقعى الذى اعتدته لسنوات، والذى يشهد تغيراً جذرياً خلال أشهراً قليلة، ولكنها أقسى ما تكون على إنسان ضعيف مثلى .
صورة أرشيفية