السبت الماضى خرجت بعض التقارير الإعلامية تؤكد مقتل 23 مصريا فى منطقتى الكريمية والسوانى بمدينة طرابلس الليبية جراء الاقتتال الفوضوى، وسارعت وزارة الخارجية لإصدار بيان نعت فيه المصريين المقتولين، وطالبت الحكومة الليبية بتحمل مسؤولياتها والتحقيق فى ملابسات الحادث البشع، وموافاتها بشكل فورى بالطرف المتسبب فى هذه الجريمة النكراء لمحاسبته. لكن فجأة خرجت الداخلية الليبية بتصريح أمس الأول نفت فيه الواقعة من الأساس، وقالت إنه لا وجود لضحايا مصريين من بين ضحايا حادث «الكريمية»، وهو ما أكده بعدها بقليل السفير محمد أبوبكر، سفير مصر فى ليبيا، والذى يمارس مهام عمله من القاهرة بقوله «وزير الداخلية الليبى اتصل بى وأبلغنى أنه لا يوجد أى مصرى قتل فى الحادث الذى وقع بمنطقة الكريمية».
الواقعة منذ بدايتها وحتى نفيها من الجانب الليبيى، تؤكد شيئا فى غاية الخطورة، هو أننا أصبحنا بعيدين تماما عن ليبيا وما يحدث فيها لدرجة أن وزارة الخارجية أصبحت تستقى معلوماتها من وسائل الإعلام دون أن يكون لها مصادر دقيقة فى الداخل الليبى، حتى الموظفين المحليين بالسفارة المصرية بطرابلس أو القنصلية ليسوا على اطلاع بما يحدث هناك، كما أنهم ليسوا على تواصل مع الجالية المصرية فى ليبيا، وهو ما نتج عنه توريط وزارة الخارجية فى بيان، استند على معلومات أتضح فيما بعد أنها لا تمت للواقع بصلة.
قد يقول البعض أن المهم فى الموضوع أن المصريين مازالوا على قيد الحياة ولم يصبهم أى أذى، وهذا صحيح، لكن أى أذى ذلك الذى تتحدثون عنه إذا ما قورن بجوهر القضية من الأساس.. الجوهر الذى يؤكد أن ليبيا تتعرض لحالة من الغليان والفلتان الأمنى وتقسيم محتمل وحرب أهلية، ونحن فى مصر آخر من يعلم.. نحن فى مصر ليس لدينا مصادر معلومات موثقة عما يحدث فى الجارة ليبيا، حتى من قبيل متابعة أحوال المصريين هناك.
من السهل على مؤسسات الدولة المصرية أن تجد مبررا لهذه الواقعة التى أعتبرها فضيحة بكل المقاييس، لكن ليس من السهل أن نقف مكتوفى الأيدى أمام ما يحدث فى ليبيا دون أن نكون مطلعين على ما يحدث .. لا أقول متدخلين فى الشأن الليبى، لكن مطلعين بحكم الجوار والعمق الاستراتيجى المصرى. الخطأ ليس خطأ الخارجية بالطبع وإنما خطأ من غيب عنها المعلومات، وأعتقد أن الواقعة خطيرة وتنم عن افتقادنا لآليات مهمة فى التواصل مع عمقنا الاستراتيجى، وهى بمثابة جرس إنذار للمؤسسات المصرية كلها وليس الخارجية فقط لكى تستيقظ وتبدأ العمل الجدى.