حسن زايد يكتب: العودة إلى نقطة البدء

الإثنين، 23 يونيو 2014 10:16 ص
حسن زايد يكتب: العودة إلى نقطة البدء صورة أرشيفية

المتابع للحياة السياسية المصرية، سيكتشف دون عناء أن ما يدور على السطح يختلف جذريًا عما يدور فى الأعماق، فما يدور على السطح يشير بأن هناك حياة سياسية فعلية فاعلة حارة وساخنة، حيث يوجد ما يقارب التسعين حزبًا على الساحة.

والمفترض أن كل حزب من هذه الأحزاب لديه برنامجه السياسى المتميز، ولديه كوادره التى تعمل على الأرض بين الجماهير تسويقًا للحزب وبرنامجه السياسى، سعيًا للوصول للبرلمان، إما كمعارضة أو أغلبية.

وفى الأعماق سنجد أن هذه الأحزاب مجرد بنايات فيها بعض الأثاث المتَرَّب، بعضها بنايات تقتصر على العاصمة، وبعضها الآخر يمتد إلى بعض عواصم المحافظات، وأكثرها عراقة قد يغطى عواصم المحافظات، وقد يمتد إلى بعض المدن الأخرى.

ويقتصر التواجد داخل هذه البنايات فى معظم المحافظات على الموظفين الإداريين به، وبعض الزوار ممن يهتمون على استحياء بشأن العضوية فى هذا الحزب أو ذاك.

إنه الخواء السياسى إلى حد الهزال. وعلى السطح تجد وجهاء لكل حزب، دائمًا ما يظهرون فى وسائل الإعلام، ليس بالضرورة لأنهم الأكفأ فى التعبير عن برنامج الحزب وتوجهاته، وإنما لأنهم الأقدر ماديًا فى الإنفاق على الحزب فى مواسم الإنتخابات البرلمانية.

وعلى السطح تجد جريدة ناطقة باسم الحزب لا توزع ما يغطى تكاليف طباعتها، لأنه فى الأصل لا توجد الكوادر التى تعد الجريدة بالنسبة لهم النافذة التى يطلون من خلالها على أنشطة الحزب ومواقفه السياسية على ضوء توجهه السياسى والأيديولوجى.

بل إنك قد تجد الجريدة ولا تجد الحزب. وفى الأعماق قد لا تجد الجريدة ولا تجد الحزب، ولا تجد الوجهاء، سواء وجهاء السياسة أو وجهاء المال، ولا تجد الكوادر.

ومن هنا فإننى شأن ثلة غيرى، قد أجد غصة فى حلقى، عندما أسمع أو أستمع إلى بعض اللاعبين السياسيين حين يتحدثون فى السياسة، فتجدهم أساتذة فى كل شىء، أساتذة فى المناقشة والتنظير لكافة القضايا المثارة وغير المثارة والمختلقة.

تشعر وأنت تسمع أو تستمع إليهم، أن السياسة فى البلد بخير، وأن الأحزاب السياسية مطلعة بدورها بين الجماهير لولا التضييق الذى تكابد ويلاته من النظام القائم.

وفى الأعماق لا تشم بين أحرف كلماتهم روائح عرق العمل السياسى الميدانى بين صفوف الجماهير، وإنما لغة صالونية مكيفة، تفوح من بين ثناياها روائح العطور الباريسية التى تخلب الألباب، والكلمات المعطرة لا تروق لخياشيم من ارتوت الأرض بحبات عرقهم، ولا تطرب لوقع نغماتها آذان قد اعتادت صوت ضربات الفأس، وخرير المياه وهى تروى الشجر. ومن هنا كان الانفصام النكد بين السياسيين والواقع السياسى المصرى. وقد تضبط نفسك متلبسًا بالتميز من الغيظ حين تراهم يشتبكون مع الحياة السياسية، باعتبارهم أصحاب حقوق مشروعة فى اقتسام "التورتة" مع المقتسمين، ويستمسكون بنظام القائمة دون النظام الفردى فى الانتخابات البرلمانية، وأن النظام الفردى يضر بالحياة الحزبية ويضعفها، وقد يقضى عليها. مع أن الأصل لديهم فى الاستمساك بنظام القائمة هو فقدانهم القدرة على خوض الانتخابات بالنظام الفردى.

والمعضلة التى تواجه الأحزاب المصرية ليس فى النظام الانتخابى المختار، وإنما فى أرضهم القاحلة الجرداء التى لا زرع فيها ولا ضرع ولا ماء، فليس هناك من الناحية الواقعية تسعون توجه سياسى قامت على أساسها هذه الأحزاب، ولا حتى على مستوى الكون كله، إذن البرامج متشابهة، ولا وجه للتمييز أو الاختيار بين حزب وآخر على أساس التوجه السياسى، ومن هنا غاب المعيار الموضوعى للمفاضلة بين الأحزاب.

ويصبح التعدد الحزبى مجرد أكذوبة شكلية، وبالتالى تصبح ديمقراطية الصندوق غير معبرة بالفعل عن الإرادة السياسية الغالبة على الشارع السياسى المصرى. وهذا بالقطع يفرز حياة سياسية فاسدة، قائمة على الوهم. ومن أجل بناء حياة ديمقراطية سليمة لابد من العودة إلى نقطة البدء، ونقطة البدء وضع لبنتها الرئيس الراحل أنور السادات، عندما أعلن فى منتصف سبعينيات القرن الماضى قيام ثلاث منابر سياسية، وهى الوسط واليمين واليسار، ثم تحولت هذه المنابر إلى أحزاب.

وما زال تصنيف التوجهات السياسية يخضع لهذا التصنيف. صحيح أن التصنيف الواحد قد يقسم إلى ثلاث تصنيفات فرعية، ولكنها خاضعة للإطار العام. ثم يبدأ كل توجه فى خلق كوادره، وتربيتها سياسيًا، مع تطبيق النظام الديمقراطى داخل الحزب، حتى تكون الديمقراطية لدى الكادر قيمًا وسلوكًا قبل أن تكون صندوقًا، ومن خلال هذه الكوادر يجرى توسيع القاعدة الجماهيرية المؤيدة لتوجه الحزب. أما قبل أن يتم ذلك، فستظل التعددية السياسية مجرد أكذوبة، لأن المواطن المصرى بوعيه الآنى وثقافته لا ينتخب عضوًا فى البرلمان لتوجهه السياسى، وإنما ينتخب نائب الخدمات الذى يتسنى له إشباع رغباته وحاجاته، وغالباً ما يكون هذا النائب هو نائب السلطة، أو الحزب الحاكم. والسر فى حصد الإخوان والسلفيين لأصوات الناخبين هو تلك الخدمات التى كانوا يقدمونها للجماهير، فضلاً عن الدعوة الملتبسة للسياسة بالدين، والدين يمثل داخل نفوس المصريين برصيد هائل لا يحتاج إلى دعاية انتخابية. فهل آن للأحزاب المصرية أن تكف عن العبث الحالى، والعمل من خلال فكر استراتيجى يحفظ عليها وجودها وتماسكها ومستقبلها، بدلاً من الهرولة وراء ثمار غير ناضجة؟ أتمنى ذلك.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة