الحائط .. الحائط .. الحائط
تظل تردد الكلمة إلى أن تصل اليه فتقف وتلتصق به وكأن به تجويف يبتلعها فتغوص في أعماقه وتختفى فلا يلاحظها المارة.
تبدو هي والحائط كسطح مستو من شدة التصاقها به. تنظر إلى المارة في حالة من التلصص لا تريد لأحد أن يراها وكأنها تستر من شىء قد فعلته أو كأن الناس يبحثون عنها هى فقط هى تميل برأسها إلى الأمام، وكأنها تراقب حركة الشارع ثم تعود مرة أخرى برأسها إلى الحائط فتشعر بالأمان.
دقات قلبها تتزايد وأنفاسها سريعة وعيناها زائغتين، فتشعر بذراع الحائط تحتضنها فيعود الهدوء إليها وتشعر أن كل شىء على ما يرام.
كثيرًا ما كانت تشكى همومها إلى هذا الحائط الأصم الذى لا يسمعها ولكنها تشعر براحة شديدة وهى تتحدث إليه، فإذا لاحظ المارة أنها تتحدث إلى نفسها صمتت.
هم ينظرون إليها وكأنها مجنونة، فكيف تتحدث إلى الحائط ولكنها تعلم أنه يسمعها وويحدثها، ولكنهم لا يسمعونه.
الحائط .. الحائط .. الحائط
ترددها وهى تعبر الشارع عائدة من مدرستها. تلتفت وراءها كثيراً وكأنها تتوقع أن شخصًا ما يطاردها، سيمسك بها، سيخطفها إلى حيث الساحرة الشريرة التى تسمع عنها فى الحكايات. تسرع الخطى إلى أن تصل للرصيف فتسير بجوار الحائط لا يؤنس وحدتها إلا ظلها على الحائط، يدها الصغيرة تلمس الحائط في رفق وكأنها تتأكد أنه لم يختلف عن الأمس، تصعد فوق رصيف ثم تهبط منه ولكنها في النهاية ملتزمة بالحائط. تعدو أحيانًا بقدماها الصغيرتين التى تبدو فيهما رعشة إلى أن تصل إلى منزلها فتدخل وتوصد الباب.
ما الذى يحدث وراء الباب؟ من وراء الباب؟ هل تلتصق بالحائط أيضًا وراء الباب؟
لا أحد يعرف شيئًا ...
طفلة في الثامنة من عمرها .. خمرية اللون .. نحيفة .. ضفائرها مجدولة بإهمال .. ملابسها غير نظيفة في معظم الأوقات .. تحمل كتبها في حقيبة ممزقة .. تتلعثم في الكلام إذا تكلمت .. بعينيها لمعة الدموع .. تبدو أحياناً كما لو أنها لا تنام .. مرهقة .. حزينة .
صغيرتى لماذا تبدين أنت والحائط كرسومات الجرافيك كل واحدة منها تحكي لنا حكاية؟
حينما نسمعها وهى تردد الكلمة نشعر وكأن الوصول إلى الحائط أصبح هدفاً في حد ذاته .. ربما يكون الحائط خط النهاية التى تشعر عنده بأنها أنجزت مهمتها، وقد يكون هو خط البداية التى ستنطلق منه إلى حائط آخر. كل حائط في هذا الشارع كان له دور في حياتها ووحدتها في يوم ما.
فهذا يحمل أسراراً لها لم يبح بها لأحد، وهذا خطت عليه شىء ثم محت معالم الحروف سريعًا وكأنها لا تريد أن تترك أى أثر لها على أى حائط قد نفهم منه سبب ارتباطها به.
تغنى ؟ .. نعم تغنى .. أحياناً نسمعها وهى تغنى.. صوتها جميل.. رقيق .. صادق دون تمثيل .. هادىء دون انفعال .. تشعر بجمال الكلمات، لديها حس مرهف، صوتها يعلو في نغم متناسق، تغنى وكأنها على المسرح وتتحرك وهى تمسك بقلم صغير وكأنه ميكرفون، تلاحظ أننا نتابعها بعيون تشجعها لتستمر. فتتوقف عن الغناء وتصمت، ليس هذا صمت الخجل. ولكنه صمت الشعور بأنها أخطأت. ثم تعود إلى الحائط وتغمض عينيها.
ترقص ؟ .. نعم ترقص .. في الصباح ترقص وهي تنتظر سيارة المدرسة .. تتحرك مثل الفراشة .. ترفع يدها فتلمس شعاع الشمس الذهبى ثم تهبط بيدها فتنثره على الأرض .. تتحرك يميناً فتتحرك أوراق الشجر في نفس اتجاه حركتها .. تتحرك يساراً فتتفتح ورود الربيع في غير أوانها .. ولكن هذا أونها فهي ترقص .. سعيدة .. تلاحظ أننا نتابعها بعيون تشجعها لتستمر، فتتوقف عن الرقص وكأن نجارًا ضرب بمسمار صلب قدمها فثبتت، أو كأن جذورها امتدت إلى أعماق الأرض، ليس هذا ثبات الخجل، ولكنه ثبات الشعور بأنها أخطأت. ثم تعود إلى الحائط وتغمض عينيها .
حاول العديد من الفتيات في مثل سنها الاقتراب منها ليتعرفن عليها ويلعبن معًا البعض منهن يقدم لها حلوى أو لعبة صغيرة وبعضهن يمارس معها لعبة القوة المفضلة لدى أطفال الصغار، حينما يتولد داخلهم شعور بأن هذا الطفل ضعيف وهو فرصة لفرض سيطرتنا عليه فتجذبها واحدة منهن وهى تنظر إليه نظرة حادة وتسألها في عنف.
( هل تسمعين ؟ هل تتكلمين؟)
كلها محاولات لفرض واقع عليها لا تستطيع هى أن تتأقلم معه ولكنها دائماً تكتفتى بسماعهن وهى ترمش بعينيها بسرعة، ثم تغمض عينيها و تتركهن سريعًا.
صغيرتى لما تهربين؟ وإلى أين تذهبين؟ لماذا تنسجين حول نفسك كل هذا الغموض؟
حينما تقف إلى الحائط تنظر إلينا وكأننا مذنبون .. مجرمون .. نشعر فى نظراتها لنا بالأحتقار ونشعر أيضاً أننا صغار إلى الحد الذى لا يستطيع أحد أن يرانا بالعين المجردة. ترسل برسائل صامتة أحكام و كأنها قاض على منصة العدالة، كل الاحكام إعدام أو نفى. تريد أن تقدمنا جميعاً إلى حبل المشنقة أو تنفينا من هذة الأرض وتعيش هى وحيدة بعد ذلك، تحتقرنا وهي لاتعرف أحد فينا ولو عرفتنا لأحتقرتنا أكثر.
نبدو أحياناً كما لو كنا نعطف عليها ولكننا لسنا كذلك لأننا في أحيان كثيرة نبدو كما لو كنا لا نراها أو أننا نراها دون اهتمام بل إن البعض يزيحها من طريقة وكأنها تقف فى وجهه أو تعطله. أى عطلة تلك .. فهي تلتزم بالحائط وتلتصق به .. ولكن عجلة الحياة أسرع منها .
تقف إلى الحائط وتنظر إلينا وكأنها ممثلة على مسرح، هي الممثلة الوحيدة على المسرح، ونحن المتفرجين نستمتع بالنظر إليها، فقط ننظر إليها ولانحاول الاقتراب، أحياناً نشعر بأنها تريد أن تتكلم ثم سريعاً ما تتراجع وتشعر وكأن كلامها لن يسمعه أحد في هذه الحالة نبدو نحن كمتلهفين ثم نفقد لهفتنا ونبدو ناقمين عليها .
نعم نحن فضوليون، ولكنها وفرت لنا سبباً للفضول وهو الغموض من ينتصر في النهاية فضولنا أم غموضها ؟ .. سنظل نتتبعها بنظرات عيوننا الحادة قد تصرخ فينا وتستسلم في النهاية وتتكلم .. ثم نتركها وحيدة بعد ذلك فقد حطمنا هذا الغموض.
هذا كل هدفنا تحطيم الغموض، يا لنا من بشر جردنا أنفسنا من الإنسانية، ويالها من إنسانة تنتظر شعور البشرية بها كما يجب.
صورة أرشيفية