سيدى الرئيس.. أين أنت، ألا تعرفنى.. صمت، أنت إذن لا تعرفنى، سأقصص عليك رحلة يومى الشاقة منذ الصباح وحتى حلول الليل، وأتوقع بعدها أن تعرفنى.
سيدى الرئيس.. أنا من أبدأ يومى بالاستيقاظ باكرًا، قبل بزوغ شمس الحياة، أيقظ أهل بيتى، نصلى لربى، وندعو بالستر والرزق الحلال فقط، نفطر خبزًا فقط، أولادى يطلبون منى أن أحضر لهم كذا وكذا وكذا، أوعدهم بالاستجابة لكنى أعرف أننى لا أقدر على تلبيتها، أرتدى جلبابى الأفضل وهو المرقع، ثم أحمل مطرقتى وفأسى وأودع زوجتى وأولادى، أخرج من عشتى الصغيرة فى البرد القارس، الكون نائم، أمطار تهطل بغزارة، وأصوات مريبة من كل مكان، اعرفها جيدًا وتعودت عليها، إنه الريح يداعب أوراق الشجر.
سيدى الرئيس.. لازالت لا تعرفنى، اطمئن فنحن لازلنا فى البداية، سأكمل عليك.. بعد خروجى من عشتى أتوجه كعادتى إلى مكان عملى.. لا تبتسم فهو ليس مكتبًا فارهًا ملئ بالتكييفات والسعاة وغير ذلك، بل مكان رزقى أعلى كوبرى المذلة.. صمت من جديد.. اعلم أنك لا تعرف ماذا أقصد، لكنى سأخبرك.
سيدى الرئيس..لا تندهش، فحديثى لم ينته بعد.. فبعد جلوسى على أرض الكوبرى الباردة كالثلج، جلبابى يشتكى بعد ابتلاله من الماء الذى يملأ الأرض نتيجة سقوط المطر، يبدأ جسدى فى الارتجاف من شدة البرد، جسدى ينكمش تدريجيا، انظر حولى أجد الكون فارغا، أنتظر قدوم من يأتى ليأخذنى.
إلى عمل لا أعرف نوعه، لكنى أعرف جيدًا أنه شاق وسينهك بدنى.
سيدى الرئيس.. عيناك تتحدث، أعتقد أنهما التقتطنى ذات مرة، وأنا بمكان عملى الذى ذكرته من قبل، لذلك سأحكى لها أكثر، مع مرور الوقت وبزوغ شمس النهار يبدأ زملاء الشقاء فى الوصول، أعتقد أن عينك التقطتهما أيضًا، فصديقى سيد أكل عليه الزمن ونخر من جسده حاصل على شهادة عليا، لكنه لم يجد فرصة عمل ويومه أصبح مثل يومى، والآخر إبراهيم يبيع مناديل على كرسى متحرك، بعد أن فقد قدميه، وأصبح الاثنان يجلسان بجوارى يوميا، نشترى طعميتين بنصف جنيه ورغيفى خبز بعشرين قرشًا نتقاسم ثمنهما وأكلهما.
سيدى الرئيس..بدأت تعى من أنا.. أعرف ذلك لكنى اعذرنى سأكمل حتى تفيض دموعك، بعد هذه الوجبة البسيطة الجميلة المشبعة بالنسبة لى، حسبك "..بينى وبينك هى ليست مشبعة، لكنى لا أمتلك أكثر مما دفعته كى أشترى طعامًا أكثر".
تبدأ الشمس تملأ الكون من كل اتجاه، ثم تصوب أشعتها الخارقة صوبى كأنها تقصدنى أنا، عرقى يبدأ فى الانهمار كالسيول، جلبابى يعاود الشكوى مرة أخرى، ليس من البرد القارس وابتلاله من ماء المطر، لكن من شعاع الشمس، وماء العرق، المملل يبدأ فى التسلل إلى نفسى، لكننى أقول يا رب، وبعد ساعات وساعات من الانتظار، يأتى شخص يقول أريد فاعلا لعمل شاق، أصمت وأنظر إلى نفسى، أحزن قليلا لكنى أفرح فى نفس الوقت لأنى سأحصل على مال أحضر به طعاما لمن ينتظرنى.
سيدى الرئيس..اعلم أن حزنى هذا لا يعنى أنى لا أرضى بما قسمه لى ربى، لكن نفوسنا أحيانا تهون علينا لاننا ببساطة بشر...اسمع...حينما أذهب مع صاحب العمل وأبدأ فى فعل ما يأمرنى بفعله يظهر شىء من الغرور والتكبر لديه، لا يتعامل معى كبشر، يعاملنى كعبد أو حيوان لكنى أتحمل لسبب ذكرته لك من قبل، ومع اشتداد العمل وتسليط الشمس لضوئها صوبى أكثر وأكثر، تبدأ مطرقتى وفأسى تشتكيان من استخدامها السيئ كثرة تشربهما لعرقى، أصبرهما كالعادة فقد بدأت الشمس تتجه نحو الغروب، وعملهما سينتهى بعد لحظات، ومع انتهاء العمل يأتى صاحب العمل كى يعطينى مقابل عملى، وهنا تكون الصدمة، فبعد هذا العمل الشاق طول النهار وبعد هذا التحكم والذل والمهانة.
يعطينى صاحب العمل مالا لا يكفى أن أشترى به خبزا وجبن لأطعام أولادى وزوجتى على الأقل، ويعيطينى إياه وكأنه يعطف على أيضًا، دموعى تقترب من رموشى بسرعة البرق، نفسى العفيفة تقول لى لا تأخذ هذا المال وانصرف، لكنى للأسف أقول يجب أن أخذ المال وأحضر طعامًا لان هناك من ينتظرنى.
سيدى الرئيس.. هذه ليس نهاية يومى أنتظر، فما أخذته من مال، أنفقته على شراء خبر وجبن لأولادى فقط، واللذان لا يفارقان منضدة العشاء كل ليلة وهما الوحيدان أيضًا، وبعد عودتى لعشتى أعطى زوجتى الطعام، ثم تضعه على منضدتنا المتهالكة، وهى عبارة عن أربع أحجرة موضوع عليها لوح خشبى قديم، وجدته ذات مرة فى القمامة وأنا قادم من العمل، نتناول طعامنا، نحمد الله، نتسامر قليلا، أولادى يسالوننى عما طلبوه منى منذ الصباح، دموعى تعاود القرب من جفونى مرة أخرى، ألجأ إلى حجتى اليومية وهى أننى نسيت أن أحضر ما طلبوه منى لكنى غدا سألبى كل طلباتهم، تعب العمل يبدأ فى القدوم مرة أخرى، نصلى العشاء سويا ثم نخلد إلى النوم سويًا، وأنا أرتدى نفس جلبابى الذى قضيت به يومى، ليس حبًا فى ارتدائه لكنى لا أمتلك غيره.
سيدى الرئيس.. استغرابك من كيفية قضائى ليومى يؤكد أنك لازلت لا تعرفنى، سأقول لك إننى ببساطة أعمل "فاعلا"، أعمل كل شىء، ولك أن تتخيل ماذا أعنى فأنا أحطم صخورًا وأحمل حطامًا وأنظف مجارى. .إلخ، كونى فقيرًا وأعمل هذه المهنة لا يعنى أننى حزين أو لا أرضى بها، والذى لا تعلمه أننى راضٍ عن نفسى وسعيد أكثر منك، واعلم ما يدور فى رأسك تريد أن تسألنى لماذا لم تجتهد كى تكون مثلى سأقول لك لولاى ما صرت هكذا ودورك الآن تعرفه تجاهى، ستقول لكى ماذا أريد، سأصدمك وأرد عليك بأننى لا أريد منك شىء تدرى لماذا، لأن لقيمات بسيطة تملأ بطنى، وأسعى للحصول على قوت يومى، وأنام سعيدًا لأننى أعلم أن ربى راضٍ عنى باستمرار.
أرشيفية