جمال الجمل

«عم إبراهيم» خطر على الديمقراطية

الأحد، 11 مايو 2014 11:15 م


كان «عم إبراهيم» الجار الفضولى يقف مع زوجته فى شرفة البيت القديم المطلة على الشارع، عندما خرج المهندس محمد من منزله المقابل حاملا حقيبة سفر كبيرة، وضعها فى حقيبة سيارته، وبدأ فى تلميع السيارة استعدادا لرحلة يبدو أنها طويلة.
ألقى عليه «عم إبراهيم» تحية الصباح، وسأله:
على فين العزم إن شاء الله؟
- المهندس محمد: إسكندرية.. الشركة عندها مشروع كبير هناك، وعاملين اختبارات للمهندسين عشان يختاروا أكفأ واحد لإدارة المشروع
يهمس «عم إبراهيم» لزوجته: شكله كده ناوى يروح إسكندرية!
يفتح المهندس محمد غطاء السيارة، ثم يدخل منزله لإحضار زجاجة ماء لتزويد «الرادياتير»، فيقول عم إبراهيم لزوجته: راجل وسواس، ونمكى. لازم يبص على كل حاجة، ويطمن على الكبيرة والصغيرة، ما يرمى حموله على الله ويلحق مشواره ويخلص.
يفتح حمودة باب المحل المجاور ملقيا التحية عليه، فيتطوع عم إبراهيم ليقول له: ابقى سلم على المهندس محمد، لأن شكله مسافر.
يسأله حمودة: مسافر فين؟
فيقول بخبث: هو نفسه من زمان يروح إسكندرية.. الله يسهل لعبيده.
يخرج المهندس محمد، ويصب الماء فى الرادياتير، ويجلس على كرسى القيادة، ويلف المفتاح لتشغيل الموتور، لكن السيارة لا تعمل، سمع حمودة صوت الكونتاكت أكثر من مرة، فتوجه ناحية المهندس محمد قائلا: الظاهرة نسيت النور مفتوح، والبطارية نامت، لازم زقة عشان تدور.
يستقيظ معظم الجيران النائمين، يتبادلون تحية الصباح، وبعض الدردشات العادية، ويتطوع بعضهم لمساعدة حمودة والمهندس محمد فى تشغيل السيارة، ويخرج آخرون للعمل، وينضم الباقى لحلقة «التوك شو» التى افتتحها عم إبراهيم متعجبا من إصرار المهندس محمد على السفر إلى الإسكندرية، ومتسائلا باستهزاء: هو المشمهندس ده مصصم يروح إسكندرية ليه؟.. أكيد الحكاية فيها إن!.. هيموت ويروح إسكندرية يا جدعان!.. قال حمكشة هيتمدن ويروح إسكندرية!
وارتفعت أصوات المناقشات فى الشارع الشعبى. البعض يسخر من طموح المهندس محمد، وإصراره على تعليم أولاده والاهتمام بمستقبلهم، ودهان بيته، وتنظيف المنطقة المحيطة به «فاكر نفسه عايش فى جاردل سيتى»، والبعص يرد: عيب.. دا الراجل طول عمره مننا، ومحترم وسطينا، ثم قال أحدهم لعم إبراهيم: احترم محمد، دا جارك العمر كله، وزميل ابنك فى الدراسة والشغل، وياما وقف معاكم فى الشدائد.
يشيح عم إبراهيم بيده: مابقاش غير حمكشة كمان.
ويرفع سعيد النجار نظره ناحية عم إبراهيم ويسأله بتودد: هوه سى خيرى ابنك إجازة النهاردة وللا إيه.. بسه ماخرجش للشعل زى عادته؟
فيرد عم إبراهيم بعنطزة: ابنى الباشمندس خيرى فى إسكندرية من يومين، خد هدية لرئيس مجلس إدارة الشركة، وعامل ترتيب كده إنه يتعين مدير فى مشروع كبير هناك.
يرد سعيد، وهو يرفع حاجبيه، ويضع القلم الرصاص فى أذنه: مش ده المشروع اللى المهندس محمد رايح يقدم فى المسابقة بتاعته؟
يرد عم إبراهيم بغيظ: هيموت ويمسك المشروع.
ثم يبدأ فى توجيه الشتائم للمهندس محمد الذى لايرد عليه، ويتحول الصباح إلى صياح فى الشارع الذى كان منذ أياما يتكاتف فى الشدائد، ويستعين عليها بالله والصبر، والتعاون، والكلمة الطيبة.
هذه قصة برئية من أى غرض، حاولت أن أكتبها بأسلوب أدبى، وبدون أى إشارات سياسية، لنستكشف معا، ما أصاب بعض المفاهيم والقيم، وأثر على طبيعة العلاقات الاجتماعية بين الناس فى مصر، لكن القصة فى رأيى تصلح نموذجا لفهم الحملة التى أدارتها اللجان الإلكترونية لعم إبراهيم ضد المرشح حمدين صباحى مستنكرة تقديم نفسه لمسابقة شرعية يتم على أساسها اختيار مدير للمشروع الذى يريد عم إبراهيم أن يديره ابنه بالواسطة والرشوة واتفاقات الكواليس، أو باستبعاد المرشحين المنافسين، ولا يعنينى إذا كان عم إبراهيم هم الإخوان سابقا، أو أى مرشح آخر، لأن الذى يعنينى بالأساس هو احترام فكرة الترشح للمسابقة من أجل اختيار المدير الذى يتولى المنصب حسب قواعد الكفاءة وتصويت أعضاء اللجنة، وليس بطرق وأساليب ملتوية تجعل من المسابقة مجرد شكل «صورى» للحصول على المنصب.
المؤسف حقا، أن أسلوب عم إبراهيم أساء لفكرة المواطنة فى الحارة، وأجج الخلافات، وروج لأساليب التراشق والتنابز، والخروج من الموضوعية، ووضع المصلحة الخاصة فى تضاد مع المصلحة العامة، والمؤسف أكثر أن هذا الأسلوب خرج من الحارة وتفشى كالوباء فى عموم مصر، حتى أننا بدأنا نسمع خبراء ومحللين سياسيين وإعلاميين يتحدثون بنفس الطريقة، وأحيانا بنفس العبارات، وهو ما حذر منه عالم السياسية الأمريكى الراحل والتر ليبمان، من خطورة تصنيع صور نمطية خاطئة، أو تصورات ذهنية تستهدف التشويه والانتقاص والإقصاء، ثم تعميمها بعد ذلك على الواقع، مما يخلق واقعا كاذبا، يتبناه الإعلام ويتبادله الناس باعتباره حقائق، مع أن هذه الصورة تبدو لأى عقل هادئ، بعيدة، بل ومتناقضة مع الأهداف المعلنة للجمهور الذى يردد هذه الأكاذيب، ولذلك تعجبت جدا، أن يقع صحفى كبير مثل مجدى الجلاد فى هذا الخطأ، ويسأل حمدين صباحى: انت ليه مصمم تدخل انتخابات الرئاسة؟
هل يمكن أن نسأل مواطنا: أنت ليه مصمم تمارس حقوقك؟.. أنت ليه مصمم تتصرف وفق الدستور والقانون.. أنت ليه مصمم على الأسلوب الديمقراطى؟.. أنت ليه مصمم تتعلم، أو تنتخب؟، أو تترشح لمسابقة أو منصب؟
أظن أن مثل هذه الثقافة الملتبسة هى أخطر إساءة وتهديدا للديمقراطية، بل أراها ثقافة مزيفة تصب فى خانة الإرهاب، لأنها تضع العراقيل فى طريق المسار الديمقراطى، وتتربص بمن يمضى فيه، بحيث لا يبقى أمام الراغبين فى تداول السلطة (وهوو دق ديمقراطى أصيل) إلا أساليب انتزاعها بالعنف، أو بالتربيطات المريبة فى الكواليس، كما يفعل الإخوان وغيرهم، فكيف تلتقى أفكار ليبرالى وإخوانى مثلا، إلا إذا كانت الأفكار زائفة، والأساس هو المصالح الشخصية، حتى لو تعارضت مع قيم الحارة.
> دائما ما يكون لدى أى شخص سببان لفعل أى شىء: سبب وجيه، وسبب حقيقى.
(جى . بى . مورجان)


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة