لو لم يصدر حكم جنايات المنيا بإعدام أكثر من 600 منتمٍ لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية لحققت زيارة وزير الخارجية نبيل فهمى إلى العاصمة الأمريكية واشنطن نجاحات دبلوماسية أفضل واختراق فى المواقف الأمريكية التى كانت ومازالت ضبابية تجاه ثورة 30 يونيو، لكن فهمى "سيئ الحظ" ما أن وطأت قدماه واشنطن حتى صدر الحكم، ومعه انقلبت الآية، وتحولت مهمته من الحديث عن علاقات إستراتيجية وتعاون بين القاهرة وواشنطن إلى الدفاع عن القضاء المصرى واستقلاليته ومواجهة الحملة الشرسة التى قادها اللوبى الداعم للإخوان.
المؤكد أن القضاء فى مصر مستقل وأنه غير مسيس، لكن المؤكد أيضا أن لأحكامه مردودا سلبيا علينا فى الخارج، لم يقتصر على البيانات المنددة والرافضة للحكم، وإنما وصل الأمر إلى تهديدات من نواب بالكونجرس ممن اعترضوا على استمرار المساعدات العسكرية والاقتصادية لمصر، بل إنه حاولوا عرقلة إرسال طائرات الأباتشى العشرة التى وافقت إدارة أوباما على إرسالها لمصر قبل يومين من صدور حكم المنيا.
واشنطن ومعها عواصم أوروبية عدة تحولت إلى ما يشبه العاصفة التى استقبلها فهمى أثناء وجوده فى واشنطن، فحاول جاهدا توضيح الحكم لمن التقاهم من مسئولين ومراكز بحثية وإعلام، ونجح فى تحجيم ردود الفعل الأمريكية على الحكم، وكان لنجاحه مردود على الإعلام الأمريكى المساند للإخوان ممن هاجموا أوباما وإدارته.
سوء حظ فهمى لازمه أيضا فيما نقل عنه من تصريحات قالت الخارجية بعدها إنها غير دقيقة، فأمس نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن فهمى قوله إن العلاقة بين مصر والولايات المتحدة مثل الزواج الشرعى وليس النزوة، وانقلبت الدنيا رأسا على عقب، واختصر كثيرون زيارة فهمى لواشنطن فى هذا التصريح الذى أراه أنا أيضا صادم لو قيل بهذا المعنى، لكن قبل أن نهاجم ونسب ونلعن علينا أن نناقش أولا الوزير فى هذا التصريح وهل قاله وإن فعل فلماذا، لكن أن ننصب المشانق دون أن نتيقن فهذا يدل على أن هناك حالة من الترصد كانت فى الانتظار.
الخارجية من جهتها أوضحت أن هذا التصريح "غير دقيق"، وأن ترجمته من الإنجليزية للعربية غير صحيحة، مؤكدة "لم يذكر الوزير أن العلاقة بين مصر والولايات المتحدة هى علاقة زواج، وإن ما ذكره الوزير هو أنه بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأمريكية هى علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج لكثير من الجهد والمتابعة، ويتخذ خلالها قرارات عديدة وفى مجالات متعددة، وقد تتعرض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل".
هذا التوضيح من جانب الوزارة حسم الجدل والأزمة التى حاول البعض إشعالها لتكون مادة ثرية لجلسات المصاطب، فى محاولة للتشكيك فى الرجل الذى كان ولازال محل اهتمام وتقدير الكثيرين ممن رأوا أنه وضع نقطة انطلاق جديدة لسياسة مصر الخارجية.
من حاولوا إثارة هذا الجدل لم ينتبهوا إلى حقيقة ما حدث من اختراق فى العلاقات المصرية الأمريكية هذا الأسبوع تحديدا، من مواقف واضحة أعلن عنها كافة مسئولى إدارة أوباما بدعمهم لمصر ورفضهم للإرهاب الذى يمارس ضدها، حتى أن هذا التغيير طال أشد المعارضين لمصر داخل هذه الإدارة وأقصد هنا سوزان رايس، مستشارة الأمن القومى التى أعلنت لأول مرة منذ 30 يونيو دعم الولايات المتحدة وأوباما لخريطة الطريق ولعملية التحول الديمقراطى فى مصر، ورغبتهما فى نجاح التجربة الديمقراطية فى مصر بما يمكنها من الاستمرار فى أداء دورها الريادى والمحورى فى تحقيق السلام والاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط.
السؤال الآن.. لماذا أراد البعض أن ينسى أو يتناسى أن زيارة فهمى لواشنطن ومن قبله بيومين الوزير محمد التهامى مدير المخابرات العامة أحدثتا اختراقا نوعيا فى المواقف الأمريكية، لدرجة أن الإعلام الأمريكى نفسه أشار إلى هذا التحول، لكننا نحن فى مصر ندمن دفن النجاحات التى تتحقق ونبحث دوما عن ما يثير الأزمات، الإجابة على هذا السؤال تفسر لنا الكثير من التناقضات التى نعيشها فى مصر وتلازمنا كل لحظة.