خالد صلاح

أكرم القصاص

فساد الأمكنة

الخميس، 01 مايو 2014 06:56 ص

إضافة تعليق
«إن مئات الخطايا الصغيرة التى نرتكبها بسهولة ويسر فى المدينة ضد أنفسنا وضد الآخرين، تتراكم على قلوبنا وعقولنا ثم تتكثف ضبابا يغشى عيوننا وأقدامنا فنتخبط فى الحياة كالوحوش العمياء».

كانت هذه عبارة الروائى الكبير صبرى موسى فى روايته «فساد الأمكنة» والتى جاء ذكرها فى مقال سابق عن المندهشين، وبسبب سهو، قلت إن بطل الرواية إيليا، بينما هو نيكولا «ذلك المأساوى نيكولا هذا العجوز الذى أعطته أمه اسم قديس قديم، حين ولدته فى ذلك الزمان البعيد، ذلك الذى كانت فاجعته فى كثرة اندهاشه، وكان كل شىء يحدث أمام عينيه جديدا يلقاه بحب الطفل، لدرجة أنه لم يتعلم أبدا من التجارب». أما إيليا فهى زوجته وابنته ومأساته. نيكولا خرج من قرية روسية مهاجرًا إلى «إسطنبول» ثم «إيطاليا» حيث قابل «إيليا» الزوجة.. وأنجب منها «إيليا» الابنة، التى سوف تمثل مأساته.. كان الروائى يرى أن «الأمل والرغبة هى الفخاخ التى ينصبها البشر لأنفسهم، ويلهثون جريا وراءها ليسقطوا فيها».

جاء نيكولا بحثا عن عالم جديد، ليستقر به الحال عند جبل «الدرهيب» فى الصحراء الشرقية بمصر، فى مثلث حلايب وشلاتين، وجوفها ضريح الشيخ الصالح أبوالحسن الشاذلى مؤسس الطريقة الشاذلية، ليصبح مالكًا للجبل، ويصنع نيكولا عالما خاصا به يتكون من عمال منجم التلك داخل جبل الدرهيب، وميناء بحرى على البحر الأحمر، يتم منه نقل خام التلك إلى سفن شريكه. وسحر المكان نيكولا، ذلك الذى وصفه الكاتب بأنه لا وطن (نيكولا) يرتجف مهابةً وخشوعاً وقد استولى المكان على حواسه المضطرمة بالرغبة فى التحليق.. وشعر بأنه يوشك أن يجد مكاناً يرغب فى الانتماء إليه.. يوشك أن يجد وطناً. أما سبب إخفاق ذلك الرجل التعيس نيكولا عدم تعلمه من تجارب الحياة، وإضاعة الفُرص التى سنحت له.

وقضى الكاتب الكبير صبرى موسى سنوات فى الصحراء الشرقية لكتابة الرواية، 1963، عندما قام برحلته الأولى إلى جبل الدرهيب قرب حدود السودان، وتشكلت الرواية داخله أثناء الرحلة، ثم عاد إلى الدرهيب مرة أخرى عام 1965، خلال زيارته لضريح المجاهد الصوفى أبى الحسن الشاذلى المدفون عند «عيذاب». صبرى موسى المولود عام 1938 فى دمياط درس الفنون الجميلة، ثم التحق بالعمل الصحفى، وصدرت له أربع مجموعات قصصية «القميص» و«وجها لظهر» و«حكايات صبرى موسى» و«مشروع قتل جاره»، وروايتان هما «حادث النصف متر»، و«السيد من حقل السبانخ»، بالإضافة إلى سيناريوهات لأفلام مهمة. وقد عملنا معا عندما تولى رئاسة القسم الثقافى فى جريدة العربى، ومازال يضىء بيننا، وقد رصد كيف يفسد البشر الأمكنة، ويفسدون إنسانيتهم.
إضافة تعليق




لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة