عمرو وجدى يكتب: خريف أردوغان.. وربيع تركيا

الأحد، 13 أبريل 2014 06:09 م
عمرو وجدى يكتب: خريف أردوغان.. وربيع تركيا أردوغان

لا أنكر إعجابى وانبهارى بشخصية رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان وبتجربة حزب العدالة والتنمية الحاكم خلال السنوات السابقة فى إحداث نقلة نوعية فى وضع ومكانة تركيا منذ بداية العقد الماضى وتحديدا منذ عام 2002.
فقد وضع الرجل تركيا فى مصاف الدول الكبرى اقتصاديا وسياسيا، فكانت من اللاعبين الإقليميين الرئيسيين بعد تراجع دور مصر والسعودية وسوريا خلال السنوات الماضية، وانخراط إيران فى أزماتها الداخلية والخارجية بسبب برنامجها النووى، وانشغال إسرائيل بصراعاتها وحروبها التى لا تنتهى سواء على الجبهة الفلسطينية أو الجبهة اللبنانية أو الجبهة السورية.
واتسمت السياسة الخارجية التركية خلال هذه الفترة بحل جميع النزاعات والصراعات مع دول الجوار، وخلق سياسة خارجية متوازنة والوقوف على مسافة واحدة بين جميع الأطراف الإقليمية والدولية مما يصب فى نهاية الأمر إلى خدمة السياسة الداخلية، وقدمت تركيا نموذجا لدولة إسلامية عصرية تتوافق وقيم التطور والحداثة الغربية بدون أن تفقد هويتها.
وأصبحت– فى ظل حكم أردوغان- مقصدا سياحيا مهما لكل الدول العالم، ومن أقوى 20 اقتصادا على مستوى العالم، وارتفع معدل النمو السنوى لاقتصادها وناتجها المحلى الإجمالى.
وبرغم كل هذه الإنجازات التى تم تحقيقها والتى استطاع المواطن التركى أن يلمسها فى حياته، إلا أنه وخلال السنوات الثلاث الماضية – وتحديدا مع قيام ثورات الربيع العربى – بدأ نجم رجب طيب أردوغان فى الأفول وتراجعت أسهمه بشكل ملحوظ فى الشارع التركى بعد أن تحول إلى شبه ديكتاتور وجذبه بريق السلطة وغرورها وكأن الذى كان يحكم تركيا شخص آخر غيره.
فبالرغم من فوز حزب العدالة والتنمية فى الانتخابات التشريعية السابقة فى 2011 وتشكيله للحكومة للمرة الثالثة إلا أنه ظهر الوجه الحقيقى لأردوغان، وتكشف غيابه عن الواقع الفعلى المعاش فى تركيا وعدم قراءته الجيدة للتغييرات السياسية التى طرأت على الشارع التركى وعلى فكر الجيل الجديد من الشباب التركى الذى لم يستطع فهمهم وتعامل معهم بالمنطق والسياسات القديمة التى لا تصلح لهذه المرحلة.
فقد حاول أردوغان – معتمدا على أغلبيته البرلمانية – تعديل الدستور التركى لتحويل تركيا من دول برلمانية إلى دولة رئاسية، لأن القانون يمنعه أن يترشح لفترة رابعة فى البرلمان، وبالتالى سيفقد منصبه الذى مكث فيه 12 عاما، على أن يترشح فى الانتخابات الرئاسية المقرر لها هذا العام ويصبح رئيسا للبلاد وبالتالى البقاء فى السلطة.
وشهدت تركيا خلال الأشهر الفائتة مظاهرات حاشدة احتجاجا على إزالة أشجار فى ميدان تقسيم باسطنبول وإعادة إنشاء ثكنة عسكرية عثمانية تضم مركزًا تجاريًا، وتطورت إلى أعمال شغب بعد أن هاجمت قوات الشرطة المحتجين، واتسعت لتشمل الاعتراض على سياسات الحكومة، وانضمت مدن أخرى للتظاهر.
ثم جاء الكشف مؤخراً عن فضائح الفساد الكبرى والمتهم فيها أبناء وزراء فى حكومة أردوغان بالإضافة إلى رجال أعمال ومسئولين محليين، مما أدى إلى اعتقالهم من جانب الشرطة التركية، وعلى إثر هذا.. قامت الحكومة التركية باقالة العشرات من كبار ضباط الشرطة الذين كشفوا هذه الفضائح وأعلنوها إلى الرأى العام التركى.
وهذا يدل على أن حكومة حزب العدالة والتنمية هى بؤرة للعلاقات المشبوهة وللعمليات غير الشرعية وغير القانونية لتحقيق مصالح شخصية للسادة الوزراء والمسئولين.
وها هو أردوغان يستمر فى غبائه السياسى ليقوم بحجب موقع "تويتر" (قبل صدور حكم المحكمة الدستوريا العليا أول أمس برفع الحجب) ومن بعده موقع "يوتيوب" بحجة الإضرار بـ"المصالح القومية" لبلاده، بعد أن قام بكشف الفساد المالى له ولوزرائه.
والواضح أن أردوغان بعد كل هذه السنوات من الحكم كشف عن وجهه القمعى والاستبدادى وعدم احترام المعارضة واستبعادها من المشهد السياسى، وأصبح لا يطيق أى هجوم عليه أو أى نقد أو معارضة له حتى وإن جاءت من العالم الافتراضى كمواقع التواصل الاجتماعى وليس على أرض الواقع، مما يؤكد على مدى الاستعلاء والغرور والتعالى الذى يتعامل به مع المحتجين ومطالبهم.
كما أن السياسة الخارجية التركية أصبحت انعكاسا وامتدادا للسياسة الداخلية، فأصبحت تركيا تميل إلى إضعاف جيرانها وافتعال الأزمات معهم وخلق عداوات وعدم احترام إرادة الشعوب متصورة أنها يمكن أن تستعيد من جديد أمجاد الإمبراطورية العثمانية، وهى مرتع للتنظيم الدولى للإخوان ومستضيفة لمعظم اجتماعاته للتآمر ضد مصر، وهى أيضا داعمة وبقوة للجماعات المتشددة والإرهابية فى سوريا هادفة إلى إسقاط نظام بشار الأسد بأى وسيلة ومهما كانت العواقب.
وسِجل تركيا الحقوقى يشير إلى دولة قامعة للحريات ومنتهكة للحقوق، فهى تعتبر – وفقاً لتقارير المنظمات الدولية - سجن كبير للصحفيين وأكثر البلاد اعتقالا للصحفيين وكتاب الرأى، مما يفند كافة المزاعم التى تدعى أن تركيا دولة ديمقراطية وداعمة لحقوق الإنسان.
إن الانقسام والفوضى أصبحا يسيطران على السلطة فى تركيا، والتخبط أصبح عنوان المشهد السياسى التركى، والفضائح المتوالية أضعفت كثيرا من شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم - ورئيسه رجب طيب أردوغان.
ونجاح حزب العدالة والتنمية فى الحصول على نسبة 47% تقريبا من إجمالى الأصوات فى الانتخابات البلدية التى جرت مؤخرا لا يعد نجاحا باهرا أو أنه بمثابة ضربة موجعة للمعارضة "كما يروج أردوغان"، حيث إنه لم يحصل على نفس الأغلبية التى حصل عليها فى الانتخابات السابقة، ولا يعنى هذا الفوز أن شعبية أردوغان (أو الحزب) مازالت كما هى لأنه ببساطة لا يمكن أن يتم القضاء أو الإطاحة بحزب كبير حقق إنجازات عديدة بين ليلة وضحاها.
وهذا الفوز لا يعنى أيضا أن احتمالية نجاح أردوغان – حال ترشحه - فى الانتخابات الرئاسية المقبلة فى أغسطس 2014 ستكون كبيرة لأنه ببساطة لا يمكن الربط بين انتخابات المحليات وانتخابات الرئاسة، لأن الأتراك فى الأولى بطبيعة الحال صوتوا للحزب ككيان له جذوره وإنجازاته حتى الآن، ولكن فى الثانية سيصوتون لشخص أردوغان الذى تصور أنه ظهر على حقيقته وكشف القناع عن وجهه الأصلى.
وأتوقع أن تهب نسمات الربيع العربى على تركيا قريبا للقضاء على الفساد والديكتاتورية على أن يبدأ فى المقابل خريف عاتٍ لرجب طيب أردوغان.


أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة