فارق كبير عزيزى القارئ المحترم ما بين الغبطة والحسد،
الغبطة بمفهومها البسيط أنك من حقك أن تحلم وتتمنى أن تكون مثل الغير فى نجاحه مثلاً، بل ومن حقك أن تأمل أن تكون أفضل من الغير، فهذا حلم مشروع ولا ضير فى ذلك، فمن حقك أن تأمل وتتمنى وتحلم كيفما شئت، فلن يمنعك خلقك ولا دينك.
أما الحسد (أعاذنا الهي وإياكم منه) فهو تمنى زوال النعمة عن الغير لمجرد الحقد.
ولقد أردت أن أبدأ مقالى هذا بتعريف كل من الغبطة والحسد حتى يتسنى للقارئ الكريم إسقاط هذا التعريف أو ذاك على ما يحدث الآن على الساحة المصرية.
وسبب كتابتى لهذه الكلمات ما شاهدته من حوار بين أصدقائى حول ذلك الجهاز الجديد الذى اجتهد فيه طبيب أو مجموعة لاكتشاف جهاز جديد يمنح أملاً لآلاف الأسر، وهو جهاز تشخيص أو اكتشاف (فيرس سى) وعلاجه.
ولن أتطرق بدورى للدفاع عن تلك المجموعة فلست ممن يجيدون (التطبيل).
وأعود معك عزيزى القارئ لما دار من حوار حول هذا الموضوع، وكعادة الحوارات لابد أن تجد فيها من يتبنى رأى، وهناك من يقابله برأى مخالف، ولكن هذه المرة كان نقاش أجيال، فقد شارك الشباب فى الحوار.
ولقد لفت نظرى ذاك الشاب الذى تدخل فى الحديث باندفاع مهاجم ذلك الاكتشاف، وقال فيه ما قال (مالك) فى الخمر، وكنت أراقب حديثه عن كثب لسببين:
أولهما: كنت أود أن أعرف مدى التواصل بين الأجيال وتأثيره على المرحلة..
وثانيًا: كنت أتابع تلك المعلومات المغلوطة لدى الشاب حتى يتسنى لى الرد عليها وكيفية التصدى لها بالإقناع والحجة، فلقد تعلمت أن الفكر لا يقابل إلا بفكر مثله.
فاستأذنت الحضور أن أبدأ كلامى مع هذا الشاب المثقف الواعد وبادرته بسؤال:
لو أنك اجتهدت وسهرت الليالى لتبحث فى مشروع مهم أو اكتشاف من وجهة نظرك جيد قد يفيد الجميع وعرضته على أصدقائك أو الغير (فاصدقنى القول) ماذا تتوقع منهم؟
فقال: بالتأكيد أنتظر منهم التشجيع والثناء فهذا الأمر سوف يمنحنى دفعة كبيرة.
فقلت له: هل أضر اكتشافك فى شيء بمن تقدم له ؟، أم أنك من وجهة نظرك تؤدى له خدمة؟، وهل نجاح اكتشافك من عدمه ألحق الضرر بالغير؟.
فقال: ليس من حق الغير أن يحاسبنى بهذا الشكل، فأنا من سهرت واجتهدت وتعبت.
فقلت له: إذن أيها الشاب الصاعد الواعد عندما تريد أن تحكم على الغير ليس المطلوب منك إلا أن تضع نفسك مكانه.
فمن اكتشف هذا الجهاز هم مجموعة من أبناء هذا الوطن اجتهدوا وتعبوا وسهروا؛ ليكون لهم نصيب من النجاح، فإن أدركوه فقد تكلل مجهودهم، وإن فشلوا فيكفيهم شرف المحاولة.
أما ما يحدث من لغط على الساحة فلا يقترب من الغبطة التى هى تمنى نجاح الغير، وتمنى أن تنجح مثله بل وأفضل منه، وتحول الأمر إلى الحسد فقط، وهو تمنى عدم النجاح للغير وزوال النعمة عنه.
أيها الشاب المثقف الواعى الواعد لن يبنى (الحسد) مجتمع متحضر متطور فاختلافنا فى الآراء لا يعطينا الحق فى أن نوغر الصدور حسدًا، ولكن أيها الشاب الذى يأمل وطنك فيك الكثير عليك بالغبطة بشقيها، من تمنى نجاح الغير، وأن تنجح مثله أو أفضل منه، فهذا حق مشروع لك.
صورة أرشيفية