هذا الحوار الذي دار ويدور بين أطباء وعلماء وإعلاميين وساسة، "والذي وصل إلى حد السباب والمعايرة" عرّى مدى ما ينساق إليه الناس "بما فى ذلك العلماء" من أوهام تحت أسماء لامعة شامخة، تحتاج إلى مراجعات جذرية.
هل يعرف عالم الفلك، وعالم الفيمتو ثانية، المعنى الحقيقى والعملى لما هو "مرض"؟ وهل يعرف الطبيب النطاسى الحاذق وعالم البيولوجيا الفذ ما معنى "الصحة الإيجابية"؟، وما هى حدود السواء؟ وهل يعرف المهندس القدير والكيميائى الفذ ما معنى وجود أعراض بلا مرض، ووجود بكتريا بلا أعراض، ثم وجود فيروسات بلا علاج، وأحيانًا بلا داع للعلاج !! وأخيرًا هل عرف كل هؤلاء معنى الفقر، وذل الفقر، وحرمان الفقراء، وآلام الفقراء؟
سامح الله الجميع، ولكن دعوني أبدأ من تخصصي؟
هو رجل فى السادسة والأربعين من عمره، يسمع صوتًا واضحًا: ليس داخل رأسه، ولكن يأتيه من أعلى الخارج واضحًا طيبًا حانيًا، يقول له كل صباح أثناء عودته من صلاة الفجر "مِن خد الأجرة حاسبه الله عالعمل"، فيبتسم، ويفرح ويتوكل، وينطلق إلى عمله فيصله قبل الموعد، ويمارسه بهمة بالغة حتى ينهيه آخر النهار دون أن يتعب، ويخرج ورقة من جيبه قبل أن ينصرف، ويوقع عليه، ويعيدها إلى جيبه وهو يحاسب الله على العمل، ويقبّل يده وجهًا لظهر، ويحمد الله، ويعود إلى بيته يلاعب ابنته الصغرى، ويدرّس لابنه، وينزل للسوق ليحضر بعض طلبات زوجته، ويشاهد التليفزيون ناقدًا، ويصلى العشاء، وينام نومًا طيبًا جيدًا مليئًا، ليستيقظ قبيل الفجر ويسرع إلى المسجد، وينتظر أثناء عودته من المسجد إلى بيته ذلك الصوت الطيب، وهكذا، وهكذا منذ تسع سنوات، والله يبارك له فى رزقه،وهو يشعر أنه بذلك يقبض فوق مرتبه هذه البركة بناء على استجابته لنصيحة الصوت وتذكرته.
ذات ليلة حكى لزوجته بدون مناسبة، حكاية الصوت هذه، فانزعجت وحاولت أن تجعله يتراجع، ويدعى أنه يمزح، فلم يصر، لكنه لم يتراجع، فراحت تسأله كل عدة أيام عن هذا الصوت فيجيبها بصدق، فزاد انشغالها وأصرت أن يستشير طبيبا، فذهب معها ليقفل هذا الباب وهو يندم أنه فتحه، وحكى للطبيب ما حكاه لزوجته، فأصر الطبيب أن يسمى ما عنده بعد أن تأكد أنه ليس فكرا، وليس صوتًا داخليًا، وسمّاها "هلوسة"، وأنه بالتالي يحتاج إلى العلاج الفلاني، ولم يطل صاحبنا النقاش، وانصرف شاكرًا راضيا وقد أسرّ فى نفسه أمرًا، لم يفتح الموضوع ثانية مع زوجته، وحين سألته، استغفر الله للكذب الاضطراري، وأجابها أنه أخذ العلاج بالسلامة، وأن الصوت اختفى والحمد لله، وواصل حياته عاملاً عابدًا راضيًا طيبًا.
هذه القصة ليست واقعية تمامًا، وهى ليست تشجيعًا على عدم تعاطى الأدوية، وإنما هى تذكرة بأن وجود العرض "الهلوسة هنا!!" لا يكفى لإثبات أن هناك مرض، وبالتالي لا يحتاج علاجًا جدًا، ويمكن لمن عنده اطلاع متوسط أن يسترجع بعض سيرة "سقراط"، أو "كارل يونج" أو غيرهما، ليعرف ما أعنى.
وعلى هذا القياس، وإلى عودة تفصيلية لما ليس فى اختصاصي أبدأ بتذكرة الزملاء والعلماء المتراشقين بالمعلومات عابرة القارات، ببعض الحقائق "العلمية" البديهية! التالية:
أولا: إن تشخيص الصحة والعادية أصعب من تشخيص المرض أحيانًا.
ثانيًا: إن مجرد وجود الأعراض مهما بدت غرابتها، ليس فى ذاته دليلاً على المرض، لكن ينبغى أن يترتب على وجودها درجة معينة من الإعاقة "عن أداء الوظائف والالتزامات العادية" أو درجة مؤلمة من المعاناة قد يترتب عنها إعاقة أيضًا.
ثالثًا: إن مجرد وجود بكتيريا فى الأمعاء لا يدل على وجود مرض بذاته، فقد تكون حميدة، بل قد تكون مفيدة.
رابعًا: إن مجرد اكتشاف اضطرابات نوبات خلل فى رسام المخ الكهربائى لا يكفى وحده لتشخيص الصرع إلا إذا ارتبط بنوبات إكلينيكية محددة.
خامسًا: إن ما هو فيروس هو أصل الحياة، وعلاقته بالجينات، والوراثة، والمناعة شديدة التعقيد، ولم تتضح بشكل نهائي حتى الآن.
سادسًا: إن الربط بين السبب والنتيجة ربطًا خطيًا مباشرًا هو من أكبر علامات الجهل غالبًا.
سابعًا: إن تصنيع عقار ثمن مادته أقل من دولار واحد، لعلاج مرض "حقيقي أو مزعوم" يصيب الفقراء خاصة فى البلاد النامية، ومحاولة تسويقه بثمانين ألف دولار للفرد الفقير، هو جريمة أخلاقية مهما شاع أنه إنجاز علمي، حتى إذا صحت فاعلية هذا العقار ضد مرض حقيقى أو مزعوم، فهو ليس فى متناول من يحتاجه فعلاً، خاصة فى البلاد النامية.
ثامنًا: إن تصدى الدولة للقيام عن الأفراد بتسويق هذا العقار الفلكى الساحر العجيب هو إفلاس متعمد للدولة بعد التعجيز المتعمد للأفراد، على حساب الوقاية وسائر الأمراض الحقيقية والأخطر.
تاسعًا: إن أي بديل أرخص، وغير ضار، حتى لو دارت الشكوك حول فاعليته، هو موقف عملى "إمبريقى" وأخلاقى معًا.
وبعد
أتوقف هنا، وأذكّر القارئ باعتراضى على طريقة الإعلان عن الجهاز، ثم المبالغة فى نشر مدى فوائده العجيبة، حتى تصورت كأنه من ابتداع "عبقرينو" "الذى يخترع كل شىء"، لكن طيبة، وحسن نية، وخفة دم عبقرينو، هى أكرم، وأرخص، وأرحم، وآمن من حركات "الساحرة سونيا" بألعابها بالكيمياء السوداء.
وللحديث بقية.