«نريد أن نحيا قليلا، لا لشىء، بل لنحترم القيامة بعد هذا الموت» هذه كلمات الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، وهى خير ما يعبر عما آل إليه المشهد فى مصر، بعد ثلاث سنوات من ثورتها التى اندلعت فى 25 يناير 2011، والتى أسفرت عن الإطاحة «بمبارك» لكنها لم تغير شيئا، بل تسارعت وتيرة الإهمال، والموت العشوائى، مضافا إليها القتل المستمر الذى يتعرض له المواطنون فى المواجهات الإرهابية التى تزايدت حدتها الشهور الماضية.
الأرقام المفزعة التى تنشرها بعض المواقع الإحصائية عن ضحايا التفجيرات الإرهابية وحوادث الطرق، والقطارات تدلل على أن ملاك الموت، أكثر من يعمل بإخلاص خلال السنوات السابقة، وحتى كتابة هذه السطور، وتشير الأرقام المفزعة التى تصدرها بعض الإحصاءات والمواقع المختصة بتوثيق ضحايا المواجهات والمظاهرات والتفجيرات، وكذلك الحوادث، إلى أن أجهزة الدولة باتت عاجزة عجزا حقيقيا عن إنقاذ مواطنيها، كأن قيمة حياتهم انعدمت، وهو ما يجعل المواطنين يقدسون كما يقولون «السفر إلى الخارج» بعدما صارت حياتهم «رخيصة».
المجد لتذكرة سفر تنقلك إلى الخارج، المجد لعقد عمل يجعلك تهجر وطنك وبلدك، هيمنت هذه الأفكار مؤخرا على رؤوس المصريين، خاصة بعد مصرع الشباب فى رحلة «السفارى» فى دروب «سانت كاترين الجبلية» والمصادفة هنا، أن منجل «عزرائيل» ينجح فى اجتثاث رؤوس الشباب، هذه العبارات ربما تكون ثقيلة على أنفس قارئها، لكن الوقائع تثبت صدق ما أقول، الذين سقطوا فى الحادث الأخير كانوا من الشباب، المغامرين، الذين رغبوا فى استكشاف مناطق جديدة من وطنهم، فقادهم حظهم العثر إلى الموت، وسط عجز الدولة عن إنقاذهم، الذين ماتوا فى استاد بورسعيد، كانوا من الشباب، حسنى النية، الذين ذهبوا إلى التشجيع، دخلوا من بوابة الاستاد، إلى الآخرة مباشرة، كذلك الجنود الذين قضوا نحبهم فى مجزرتى «رفح الأولى» و«الثانية»، كانوا من الشباب الغض، الذى لم يبدأ حياته بعد، فإذا بها تنتهى فجأة، غدرا وغيلة.
من يوقف «الموت»..؟ يبدو السؤال عبثيا، فالموت قدر، محتوم، ربما هو الحقيقة الوحيدة فى الدنيا، لكن هل يكون كذلك إذا كان يأتينا غدرا وغيلة فى حوادث الطرق أو فى الاستاد، أو فى مزلقانات القطارات، أو فى المظاهرات، أو على أبواب الكنائس، أو فى عربات الترحيلات، أو أثناء عودة الجنود «فسحة» من الجيش بتصريح إجازة؟
وإذا لم نمتلك الإرادة الحقيقية لإيقاف عجلة الموت وهى تطحن بين رحاها الأبرياء الذين يقودهم حظهم العثر إلى إصابة برصاصة طائشة من بلطجى فى مظاهرة، أو من عسكرى فقد أعصابه، أو من عدوى بأنفلونزا الخنازير، أو من مدمن حشيش خلف عجلة قيادة «تريلا» أو من فرقة إنقاذ بالحماية المدنية عاجزة عن الإنقاذ، إذا لم نمتلك الإرادة الحقيقة لإيقاف تلك العجلة، ألا نمتلك أى إرادة للمحاسبة، أو لمساءلة الفاشلين والفاسدين المتسببين عن الأرواح التى صعدت إلى بارئها بسبب فشل وإخفاق هؤلاء عن حماية أرواحهم؟.
من يوقف الموت فى المستشفيات، إذا كانت هذه المستشفيات أرحام جاهزة لتكاثر الأوبئة، والقطط، إذا كانت السياسة الوقائية لوزيرة الصحة الدكتورة مها الرباط، لمواجهة أنفلونزا الخنازير، تبدأ بهش القطة، من الطبيعى أن تنتصر الأنفلونزا، وتحصد أرواح 55 مواطنا؟.
من يوقف الموت على الطرق؟ إذا كانت مظلمة ليلا، مضاءة نهارا، إذا كانت هذه الطرق تخلو من الإرشادات المرورية الصحيحة، إذا كانت بنيتها التحتية، ومنحنياتها الخطرة، تجعل منها بوابات مفتوحة دائما على الآخرة، إذا كانت هذه الطرق تخلو من القوة الحقيقية لضبط المسرعين والمتهورين، من يوقف الموت إذا كانت تخلو ممن يتعقب المدمنين والسكارى ويكتشف قيادتهم أثناء حالة الإدمان؟.
من ينقذنا، ويهبنا «ميتة طبيعية»..؟ هل هذا طلب صعب؟.
الموت من الإهمال والحوادث والتفجيرات.. من يوقفه؟..من ينقذ المصريين من الموت العشوائى ويهبهم ميتة طبيعية؟
الأربعاء، 05 مارس 2014 05:15 م
صورة أرشيفية