قال المفكر الكبير الدكتور جلال أمين، إن الشعب المصرى وقع فى محنة الدنيا والدين، وأن محنة الدنيا فشلها يعود فى عدم رفع مستوى المعيشة وهى القضية الدنيوية، وهو ما يتلخص فى معدلات التنمية والتصنيع وفشلنا فى توزيع العادل فى الدخل.
جاء ذلك خلال الندوة التى عقدت لمناقشة كتاب "محنة الدنيا والدين فى مصر" للكاتب الدكتور جلال أمين، ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته الــ45، بحضور الدكتور جلال أمين، المفكر المصرى، والدكتور عبد الله النجار، عميد كلية الدراسات العليا فى جامعة الأزهر، والدكتور جلال شقرة، مدير مركز بحوث الشرق الأوسط.
وأوضح أمين، أن الشعب المصرى لديه الأمل الحق فى التعليم والصحة والمواصلات ونوعية الحياة، وتابع أما محنة الدين فإن الشعب المصرى ينقسم إلى قسمين، الأول يتصرف ويريد أن يكون الدين كل الحياة فكان محمد رسول الله والصحابة لا يعتبرون أن الدين كل الحياة بدليل قول الرسول "وهذه اليد يحبها الله ورسوله"، فالدين ليس كل الحياة ويقابل هؤلاء القسم الثانى وهم أشخاص يرفضون هذا الدرجة.
وأكد أمين، أن العلاقة وثيقة بين محنة الدين والدنيا والاختلاف بين النوعين لا يحل بالاقتناع فسببها محنة الدينا، وهى بالتالى تسبب محنة الدين وهى عدم قدرة البلد على حل أحوال المعيشية، وبالتالى نجد الناس تتصور أن المشكلة تتحول إلى مزيد من التدين.
مضيفاً أن محنتى الدين والدنيا موجودتان من القدم، كما أننا فشلنا فى حل مشكلة التنمية وتوزيع الدخل قديما والعلاقة بينهما وثيقة والفشل فى حل مشكلة التنمية، والتدهور فى الأمور الاقتصادية والمعيشية منذ 1840 منذ ضرب محمد على باشا.
وأكد أمين، أن الخديوى إسماعيل وطلعت حرب وعبد الناصر عملوا أعمالا مهمة، ولكن لم تصل إلى غايتها.
وأوضح أمين، أن محنة الدين بدأت عندما بدأ الاتصال بالغرب بعد أن جاء خلفاء محمد على الضعاف مثل الخديوى سعيد والاحتلال الأجنبى، وقال الناس وقتها لابد من العودة إلى الدين، وظهر العديد من الجماعات الإسلامية، وأدى أيضاً بعد ذلك لظهور جماعة مثل الإخوان المسلمين، والمحنة الآن أشد منها فى أى وقت مضى، والفقر أصبح أصعب وشعور الفقراء بالذل والفقر أكثر مقارنة بما قبل سنة 1950.
وأشار أمين إلى أن الفلاح المصرى سنة 50 كانت آماله محدودة ولكن الآن الطموحات أصبحت على نطاق أوسع وأمامهم أعباء ومتطلبات كثيرة، وذلك بسبب الانفتاح على العالم والازدواجية.
وأكد أمين أن الازدواجية كانت من قبل بين الريف والمدينة، ولكن الآن أصبحت عالمية، وتحول التدين والعبادات إلى هوس وليس تطرفا، فهم أشخاص فقدوا السيطرة نتيجة هذا الهوس لتصادم الآمال التى لم تتحقق.
وأضاف أمين، أن الطبقة المتوسطة منذ الستينيات كان عندها القناعة والثقافة ولكن الآن أصبحوا منشقين وانقسمت إلى قسمين وهو ما يسبب الحقد والغيظ.
وأشار أمين، إلى أن الخطاب الدينى ليس فقط غير عقلانى ولكنه معطل للنهضة فعندما تنظر للدين على أنه كل الحياة فلن تنهض وفى عز النهضة الإسلامية والعربية كانت نظرة المسلم أن يكون على قدر كبير من العلم لخدمة الدين ولكن الآن ينظر المسلم على عدد مرات الذهاب للمسجد، وهذا يعطل الفكر النهضوى ولا يمكن أن يستخدم الدين حجة لعدم العمل، مضيفاً فى التعليم تتم زيادة الجرعة الدينية بدلا من العمل على التفكر لخدمة الدين، وأن موقف الخطاب الدينى من المجتمع استهلاكى والحضارة تتدهور عندما ترى الناس فى الشارع يتصارعون على كثرة الشراء.
وكنت من المتصورين أن الجماعة عندما تصل إلى الحكم ستتوقف الإعلانات التجارية التى تجعل المجتمع استهلاكى ومهووس بالشراء ولكن كانوا هم من يتسابقون على الشراء وإصابة المجتمع بالشلل العقلى، مضيفاً الحل لإصلاح محنة الدين والدنيا هو إصلاح الأمور المعيشية ورفع مستوى الدخل.
وقال الدكتور جلال شقرة، مدير مركز بحوث الشرق الأوسط ، إن الكتاب شمل قضايا من أخطر القضايا التى مرت بها مصر، ونجد أن الأمر تحول إلى محنة ويجب أن نفكر كيف نتخلص منها وإصابة الشعب المصرى إلى الحيرة والهوس الذى يؤثر على المجتمع الاقتصادى والاجتماعى اليوم.
وأوضح شقرة، أن الكتاب اهتم برصد العوامل الاجتماعية والسياسية التى أدت إلى محنة الدين والدنيا، كما يلفت الكاتب إلى أن هناك حالة من الضباب الفكرى سيطرت على عقول المصرين منذ مطلع القرن العشرين وأدت إلى تجاهل البديهيات والمسلمات وهذا شىء محزن ويدل على معاناة المجتمع من محنة حقيقية.
وأكد أن الدكتور جلال أمين، لا ينتقض اتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسيا للتشريع، ولكن هو لا يؤيد أن تكون حياة المصريين فى دور العبادة .
وأكد شقرة أن ما يجرى من حرق الكنائس تطرف وليس تدينا، وإبان حكم محمد مرسى، شاهدنا هوسا ودروشة، والتى عبر عنهما الكتاب بالحيرة بين الدين والدنيا، وعالج الكتاب المفهوم الصحيح لمعنى التطرف والهوس، ونجد أن المعتصمين فى رابعة كانوا يمتلكون الهوس الناجم عن المشكلة النفسية بقولهم وإدعائهم نزول جبريل.
ومن جانبه قال الدكتور عبد الله النجار، هناك محنة فى الدين والدنيا يعانى منها الشعب، والخلاف قد يكون فى التشخيص من بداية المشكلة، وكيفية العلاج من زوال هذه المشكلة، ومن عدل الله أنه أعطى من تلمس الأسباب حتى ولو كان كافرا به ويجب أن نعى هذه القضية حول الذين باعوا الدنيا بالدين.
وأكد النجار أن المحنة فى اعوجاج الفهم ويجب أن نربى العقول على التفكير وتنظيم التعليم فلا نربى أجيالا لا تفهم ولا تعى ولكن نبنى أجيالا تفكر وقادرة على العطاء والإنتاج، فهناك من يحملون الشهادات وهم لا يعلمون عنها شيئا لذا يجب القضاء على هذه الطريقة وعدم التركيز على الحفظ والصم.
وأشار النجار إلى أننا بحاجة إلى تعليم لتربية العقول وليس للحفظ، وهناك من يتكلم فى الدين وهو يظن أنه يخدم الدين وعندما تبحث عن الحقيقة تلاحظ أنه يفسر المعنى حسب مصلحته وغايته الشخصية.
وأكد النجار أن المشكلة فى عدم فهم الدين والشريعة وعلينا تفهم الشريعة بالطريقة الصحيحة حتى نتجاوز محنة الدنيا والدين، مضيفاً أن العقل هو أهم ما لدينا، لأنه الدليل على وجود الله وعندما يأتى شخص يأخذ هذا العقل ليجعله يدمر ويقتل فهو أفسد عبوديته بالله عز وجل ويصبح هذا الشخص حيوانا ووباء على خلق الله.