البداية كانت عندما تلقيت دعوة من وزارة الثقافة التونسية، للمشاركة فى ملتقى الشعراء العرب، بمدينة نابل الساحلية التى تطل على البحر المتوسط، وبحضور الشاعر والمفكر العربى السورى أدونيس الذى حل ضيفاً للشرف على الملتقى.
الملتقى الذى اختتم منذ أيام، استضاف 70 شاعراً عربيًا، كنت واحدة منهم، مثلت مصر مع الشاعرين على عمران وسيد يوسف، وكانت عناية القائمين على الملتقى كبيرة بالشعراء ونظموا لنا برنامجاً نطوف من خلاله القرى القريبة من مدينة نابل "مقر الملتقى" لنلقى الشعر فى دور الثقافة هناك.

كان دار الثقافة بتاكلسة من نصيبى، وهى قرية تبعد ما يقرب من 50 كيلو عن نابل، واستقبلنا دار الثقافة بالطبول والرقصات التونسية التراثية، حيث ارتدى أطفال دار الثقافة القشابية التونسية التقليدية وغطاء الرأس الأحمر أحد العلامات البارزة للزى التونسى الشعبى، وعزفوا مقطوعات قديمة على الطبول ونفخ أحدهم بالمزمار، وسط تصفيق الشعراء الذين أسعدهم الاستقبال.

عند العودة من تاكلسة، كان الشعراء الزملاء قد عادوا من القرى المجاورة التى نظموا الشعر فيها، وتبادلنا طوال المساء أحاديث عن إلقاء الشعر فى دور الثقافة الريفية الصغيرة، بينما استضافنا الشاعر الكبير أدونيس على مائدته فى العشاء واستمع لنصوص شباب الشعراء.
قرأت له من ديوانى "دون أثر لقبلة"، ووقع لى بخط يده تذكارًا وإهداءً كتب فيه "تغار منك جرأة الشعر"، بعدها غادر أدونيس إلى مدينة جربة فى الجنوب التونسى حيث كان بانتظاره أمسيات هناك، غادر إليها بعد أن سلمنا شهادات التقدير والدروع.

تلا ذلك، أمسيات شعرية استضافها المركب الثقافى بنابل، تبادل فيها الشعراء المشاركون إلقاء قصائدهم وسط حضور من الجمهور التونسى والنقاد والأدباء.
بعد انتهاء الملتقى، غادرت إلى تونس العاصمة بصحبة ثلاث من رفيقات الشعر العرب، لنكتشف معاً العاصمة التى كانت مهد الثورة والمفتتح.
فى تونس العاصمة، تعتذر صديقة تونسية عن عدم نظافة الشوارع التى كانت أنظف فى عصر بن على، فأضحك سخرية، على شوارع القاهرة التى تفوقها تونس جمالاً ونظافة عشرات المرات، تقول الصديقة، إن تونس لم تكسب من ثورتها حتى الآن إلا مزيداً من الحريات مقابل ارتخاء قبضة الدولة وزيادة معدلات الجريمة عن ذى قبل، وانتشار عصابات السرقة والنهب، متحسرة على أيام بن على التى كانت الحريات فيها أقل مقابل أمن أكثر، وكأن دول الربيع العربى تواجه القدر نفسه والخيارات ذاتها.

نتجول فى الشوارع أكثر، نمشى إلى ميدان ابن خلدون الذى اندلعت منه الثورة، وزارة الداخلية على اليمين والمقاهى بامتداد الشارع، الداخلية تطوق نفسها بأسلاك شائكة والمواطنون يمارسون حياتهم الطبيعية على المقاهى، بينما مظاهرة على الرصيف المقابل تهتف "سحقا سحقا للإخوان من تونس لأفغانستان"، و"الأكيد الأكيد غنوشى قتل بلعيد"، و"أوفياء أوفياء لدماء الشهداء"، المتظاهرون يحملون صور المناضل الشهيد شكرى بالعيد ويطالبون الحكومة الحالية بمحاكمة رئيس الوزراء الإسلامى المستقيل على العريض.
الشرطة تقف على الرصيف الموازى تراقب الموقف، بينما يحتسى الجالسون على المقهى المواجه قهوتهم، وكأن شيئاً لا يحدث أمامهم، كمشهد مقتطع من وسط البلد التى تحوط فيها وزارة الداخلية نفسها بأسوار أسمنتية وتغلق الطرق، بينما تندلع مظاهرات حولها لا تشغل بال من يدخنون الشيشة على مقهى البورصة القريب.
يعلق سامى الذيبى، الشاعر والأكاديمى التونسى الشاب، فيقول إنه عقب ثورة 17 ديسمبر، شهدت تونس فوضى عارمة يصفها بالحالة الصحية الناتجة عن سنوات طويلة من القمع حتى أسفرت الانتخابات عن ثلاثى الحكم بقيادة حركة النهضة الإسلامية فشهدت البلاد ارتفاعا فى الأسعار، وفوضى وانعدام أمن دفعوا الناس لكراهية الثورة.
ويرى سامى أن المخابرات القديمة وأذرع النظام القديم ضالعة فى اغتيالات شكرى بلعيد ومحمد البراهمى، من أجل جر تونس لدوامة عنف تُفشِل الثورة وأهدافها.
أما الشيخ عبد الفتاح مورو نائب رئيس حركة النهضة الإسلامية بتونس، فيقول إن المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية تحتاج إلى وقت واستقرار، وبناء مؤسسات وبعث نشاط جديد فى الشعب لكن الأساس لكل ذلك هو اكتساب حريات ووضع بناء المؤسسات حيز التنفيذ والتطبيق وحمايتها، حتى لا تنتكس وتضيع الحريات التى اكتسبناها وما وصلنا إليه اليوم إيجابى نسبيًّا.
