صدر عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية، العدد الجديد من سلسلة "أوراق"، والذى يأتى بعنوان "الدراسات المستقبلية فى مصر: الإطار، والأمثلة، والمنظورات"، للبروفيسور إدجار جول، وترجمة محمد العربى.
يقول البروفيسور سيد الصاوى أستاذ الاقتصاد بالمعهد القومى للتخطيط فى الأهرام ويكلى (2006): "إن الدراسات المستقبلية فى عدة بلدان فى تطور فى مستمر، وفى مصر، فإن هذا المجال بدأ فى الظهور ببطء ومتأخرًا، "الدراسات المستقبلية مجال جديد فى مصر، ورغم أن هذه الدراسات بإمكانها أن تعمل على إعادة اكتشاف موارد الدولة وخياراتها، وأن تعمل كنظام تحذير مبكر لتجنب الأخطاء فى المستقبل، فقد أجريت أربع دراسات مستقبلية فقط فى الخمس وعشرين عامًا الماضية".
وفى هذه الورقة، يلقى البروفيسور إدجار جول الضوء على خصائص وظروف ومؤسسات واتجاهات الأبحاث المستقبلية فى واحدة من أكبر بلدان المنطقة العربية والإسلامية وأكثرها تأثيرًا، وهى مصر.
وهذه الورقة معتمدة على سنتين من العمل المتواصل فى مركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات، ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصرى.
والجدير بالذكر، أن الجزء الأكبر من هذا التقرير قد تم بحثه وكتابته قبيل ثورة 25 يناير 2011، والتى قادت إلى عملية من التحولات المستمرة فى مصر والمنطقة.
ويعتمد التفكير المستقبلى الحديث على حد معين من الحدس والحساسية، وكذلك إلى حد بعيد على طرائق أكثر منهجية وعلمية، فالبحث المستقبلى يستخدم كل أنواع الإمكانيات والموارد والأدوات لجمع المعلومات والبحث والتحليل والتفكير.
ولقد بدأ التفكير المستقبلى المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية فى مؤسسات الجيش الأمريكى حيث تأسست مؤسسة راند من أجل الأغراض الإستراتيجية وفى المؤسسات الكبرى.
ولقد تعرض البروفيسور إلى دراسة وضع المجتمع المصرى فى الفترة الأخيرة، ووجد أنه بالرغم أن الثورة المصرية التى بدأت فى يناير 2011، والتغيرات الهائلة التى أعقبتها، فقد اتضح بعد عام من التغيرات الهائلة التى أعقبتها أن التغيير الكامل المأمول للنظام سيأخذ وقتًا وجهودًا أكثر مما كان متوقعًا.
خاصة وأن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية سيكون من الصعب تحسينها على نحو مرغوب فيه، ربما سيكون من الواضح أن التحولات متعددة الجوانب تعتبر ضرورية للغاية لكل شرائح وفئات المجتمع المصرى غير أنها تحتاج إلى وقت أطول للتحقق اعتمادًا على تقاليد وخبرات ورؤية المجتمع المصرى.
ومن الملاحظات والانطباعات الذاتية على العديد من المقابلات مع أطياف مختلفة من الشعب المصرى، فى الدراسة، يظهر المصريون الكثير من الود والانفتاح العام، خاصة عند الاقتراب منهم بطريقة لطيفة وعادلة.. وقد يكونون داعمين ومساعدين، فلديهم درجة كبيرة من الصبر ودرجة عظيمة من التسامح، أيضا المصريين "إنسانيون" بكل ما تحمله الكلمة من أوجه سلبية وإيجابية لهذه الصفة.
أحد هذه الجوانب هو الأهمية الكبرى لدى المصرى للشعور بالتكيف والتواؤم، فأحد أهم الأهداف لدى المصريين هو البقاء لأطول مدى فى حالة تواؤم دون السماح للأشياء بالتدخل فى المزاج الجيد "يقول المثل الشعبى المصرى، ابعد عن الشر وغنى له".
كما شاع بين المصريين فجوة كبيرة بين ثقافة الأسرة ذات الأهمية الفائقة وبين العالم الخارجى، خاصة مع ثقافة العمل الحديثة والتى تحتاج إلى نظام عمل معقد وأشكال معقدة من العلاقات.. أى أن هناك انفصالاً كبيرًا بين المجالين العام والخاص، ويمارس المصريون درجة عالية من المرونة والطرق الخلاقة فى حل المشكلات، فتقوى بينهم البرجماتية، ولا توجد وصفات مسبقة لكل شىء يمكن اتباعها.
وهناك العديد من القواعد والقوانين المدونة على الورق، ولكن لا توجد رقابة تعادلها أو قوة إنفاذ لها، إلى جانب أنه لا توجد قوة تدعم اتباع القواعد، وبنية الدوافع نحو السلوك الجيد غير كافية.. وقد اعتاد معظم المصريين على التحايل على القواعد القانونية، حتى أنهم لا يشكون من الانتهاكات.
كما أن هناك درجة كبيرة من الإحباط بسبب الظروف المعيشية ونوعية الحياة وهذا الإحباط يتزايد، ويبدو أن هناك تفاؤلاً أقل بالمستقبل، وأمل متضائل فى أن تتغير الظروف أو أن تتحسن الأوضاع.. وبالرغم من أن الكثيرين من الشعب المصرى يتسم بالتفاؤل بشأن أوضاعهم، غير أن الشعور باللايقين حول المستقبل شعور قوى "الاستقطاب الاقتصادى والاجتماعى، البطالة، التقدم"، وهناك درجة ثقة متدنية جدا فى الحكومة، ومؤسسات الدولة والنخب المالية، وهو الأمر الذى تسببت فيه خبرات سيئة سابقة.
وتبين الدراسة أن الاتجاه العام فى مصر إزاء المشكلات هو لوم الآخرين بدلا من البحث عن الحلول، أو التغيرات اللازمة أو دور الفرد فى المشكلة.
ويندر أن يكون هناك فعلٌ جماعى، وهو ينجح فى مناسبات معينة، أحد أسباب هذا هو قمع الآراء الأخرى والبديلة من قبل أجهزة الدولة وقوات الأمن، كما أن هناك فرصا قليلة للمناقشات المفتوحة والحرة والمشاركة غير المشروطة فى عملية صنع القرار من قبل الشعب والمؤسسات البعيدة عن الهيراركية الرسمية التقليدية، وينبع هذا من ميكانزمات القوة التقليدية الفرعونية أو القبلية، ويسود هذا الاتجاه فى أعلى المجتمع كما يسود فى أدناه "الغطرسة فى مواجهة الامتثال"، ويؤثر هذا بشكل خاص على نمط التعليم "التلقين المجرد بدلاً من التحليل والنقاش".. وكثير من هذه الخصائص والملامح من الممكن أن توجد فى معظم المجتمعات المعاصرة إلى حد معين وبطريقة أو بأخرى.
وتجد الدراسة أن التغييرات الواسعة والعميقة التى حدثت بعد ثورة يناير 2011 ضخمة، وحتى الآن لم تظهر أى تحسن فى الحياة اليومية للشعب المصرى، وفيما تعزز الوعى الذاتى لدى معظم الشعب، فإن المؤسسات الإدارية والهياكل السياسية لم تتغير.
وبهذه الخلفية، من الممكن توقع أن التفكير المستقبلى والدراسات المستقبلية أصبحت أكثر أهمية فى مصر وأن إمكانيات هذا التفكير سوف تتزايد فى أشكال مختلفة، فى الأدب والإعلام والعلوم الاجتماعية.. وسوف تتسع مؤسساته.
هذا الانفتاح الكبير على المعرفة والخبرات الأجنبية والممارسات والحالات الناجحة.
وبشكل رئيسى من قبل الأجيال الصغيرة، حيث يتوفر الشوق الشديد إلى التعلم من الخبرات والأشياء الجديدة، والتوجه نحو الغرب.
ولكن هناك إشكالية، لأن هذا يعنى وجود الدوافع نحو تكرار طريق التنمية فى مواجهة العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهو ما سيؤدى إلى تحويلها إلى النظام الرأسمالى والاستهلاكى، واستهلاك الطبيعة والموارد الأخرى.
دراسة: ثورة يناير أحدثت تغيرات ضخمة ولم تُظهر تحسنا فى حياة المواطن
الثلاثاء، 18 فبراير 2014 03:18 م
ثورة 25 يناير – أرشيفية