«ذهبت إلى ملجأ العميان فى الزيتون لأسمع صوتا جديدا قيل إنه معجزة، كانت الليلة ليلة الأربعين للمرحوم بيرم التونسى رحمه الله وغفر لنا جميعا».
كانت هذه الكلمات هى آخر ما كتبه الموسيقار زكريا أحمد فى مذكراته اليومية، يوم 13 فبراير 1961، وفى اليوم التالى «14» مات بعد أن خلد اسمه فى تاريخ الموسيقى العربية كأحد مجدديها العظام، وحسب كتاب «السبعة الكبار فى الموسيقى العربية» للمؤرخ الموسيقى اللبنانى فيكتور سحاب: «زكريا أحمد يمتاز دون غيره من الموسيقيين العرب الكبار بمزاجه الخاص ذى المقومات المركبة، وأول ما يخطر ببال معتنقيه أنه محافظ يعاند التطور والتبديل، وهذا تصنيف غير دقيق، لأنه طور شكلين من أهم أشكال الغناء العربى «الدور والطقطوقة»، وأسهم فى تطوير أشكال أخرى، دون أن يمس آلات الموسيقى العربية».
اقترن اسم «زكريا أحمد» موسيقيا باسم «أم كلثوم» فى رحلة فنية طويلة، بعد سنوات قليلة من بدايتها الغنائية، لكن المثير أن هذه العلاقة شهدت قطيعة منذ عام 1948 وحتى عام 1960، لمقاضاة «زكريا» لها وللإذاعة بسبب ما يحصل عليه من أجر متدن مقابل ألحانه لها، ورغم تدخل الوسطاء إلا أن القاضى «عبدالغفار حسين» رئيس محكمة استئناف القاهرة وأثناء نظر القضية مطلع عام 1960، قام بتلطيف الخلاف بينهما، قائلا: المجتمع العربى يود من كل قلبه سماع أم كلثوم تتغنى بألحان زكريا أحمد، فرد «زكريا» بتأثر: «أم كلثوم سيدة مطربات الشرق، وغرضى خدمة الفن بشخصها، وقالت أم كلثوم: «أقدر زكريا وأرتاح إليه فعلا».
جرى الصلح والاتفاق على ثلاث أغنيات فى السنة لقاء سبعمائة جنيه نظير اللحن الواحد، وكان مسك الختام لهما أغنية «هو صحيح الهوى غلاب» كلمات بيرم التونسى.
عبقرية «زكريا أحمد» الموسيقية نتعجب منها حين نعرف طبيعته الشخصية التى يكشف عنها صديقه نجيب محفوظ، وفى كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» لـ«رجاء النقاش»، يحدثنا نجيب عن «زكريا» كأظرف الشخصيات التى قابلها فى حياته: «ابن بلد، لطيف، «حبوب»، «ابن نكتة»، حكاياته لا تنتهى، حكاية تجرك إلى حكاية أخرى فى تسلسل عجيب، وترابط مذهل، قد يبدأ فى سرد حكايته الأولى فى التاسعة مساء، ويعود إلى نفس الحكاية فى الثالثة صباحا، وما بينهما عبارة عن استدراك وملاحظات».
يضيف نجيب محفوظ: كنت أسأل نفسى: متى يعمل الشيخ زكريا، ويتم ألحانه وهو يداوم على سهراته اليومية، واكتشفت أن لديه قدرة التلحين فى أى وقت، وأذكر أنه لحن أغنية «حبيبى يسعد أوقاته» لـ«أم كلثوم»، وهو يجلس معنا، وفى مرات عديدة كان يضع لحنين مختلفين لأغنية واحدة ويعرضها علينا لنختار الأفضل، لم يكن الشيخ زكريا يحب القراءة، وربما كانت روايتى «زقاق المدق» هى روايتى الوحيدة التى قرأها، وأعجب بها للدرجة التى جعلته يعيد صياغتها ويحكيها أمامنا كأنه المؤلف».
سعيد الشحات يكتب : "ذات يوم".. وفاة عبقرى الموسيقى "زكريا أحمد".. كاره القراءة وعاشق السهر
الجمعة، 14 فبراير 2014 06:32 م
الموسيقار زكريا أحمد