بقلب شجاع، وروح محملة بالشغف والأمل فى التغيير للأفضل عن طريق كشف كل ما هو خفى من مصائب، وتسليط الضوء عليها ليراها الجميع جلية واضحة لا تحتمل الشك، وبحثًا عن أجوبة لأسئلة نسألها عبر سنوات وعن حقيقة تائهة هنا، وقصة مؤلمة هناك، بحثًا عن أدلة لفساد نعيشه ليل نهار فى مستشفياتنا ومدارسنا، ومؤسساتنا، وبمهنية وحيادية، قدمت لنا المذيعة "منى عراقى" وجبة إعلامية دسمة فى برنامجها "المستخبى" فى شكل تحقيقات استقصائية تليفزيونية موثقة بأوراق ومستندات وقبلهما مغامرات خاضتها بنفسها، دون خوف أو ذعر.
قدمت "عراقى" نموذجًا مشرفًا للإعلام فى مصر بعيدا عن التهليل والتطبيل، واختارت الطريق الصعب وهو طريق التحقيقات الصحفية الاستقصائية، التى تجتهد وحدها فى اختيار أفكارها ووضع فرضيتها، والبحث عن توثيقها والنزول إلى الشارع لتحقيقها وإثباتها بالصوت والصورة، وقدمت مجموعة من التحقيقات الصعبة فصورت مع تجار الآثار وتجار ومروجى المخدرات والترامادول، كما كشفت فساد المستشفيات.
ولأن الله لا يضيع أجر عامل اجتهد فى عمله فكافأها بالعديد من ردود الفعل، منها قرار إدراج وزارة الصحة لمادة "الفودو" ضمن المواد المخدرة، وذلك بعد تحقيق كشفت فيه تداول هذا المخدر وأضراره، كما استطاعت التواصل مع والد الطفلة حديثة الولادة التى تعرضت للضرب على يد الطبيب لساعات، وقال والد الطفلة، إنه لم يكن يعلم سبب الكدمات التى ظهرت فى جسد طفلته إلا بعد عرض برنامج "المستخبى" للفيديو الذى استعان به، وتقدم ببلاغ للنيابة ضد هذا الطبيب، كما نجحت فى استخراج قرار بصرف معاشات ثابتة لأربع سيدات فقيرات عرضت لهن فيديو يبحثن فيه عن لقمة عيش داخل صناديق الزبالة، وهنا يمكن القول إن ما قامت به منى عراقى عبر حلقات قليلة هو الإعلام الحقيقى الذى يهدف إلى وصول الحق لمستحقيه ومنع الفساد بعد الكشف عنه.
لم تفكر منى عراقى وهى تجهز لبرنامجها فى خزانة ملابسها ولا فى إكسسواراتها التى تطل بها على الشاشة، لم تفكر فى الماكيير والكوافير ومظهرها وأناقتها وأحذيتها، وهو ما يتضح جليا من الحلقات المصورة، فظهرت بمظهر بسيط، لم تتكلف ولم تبالغ فى تجميل صورتها لأنها على يقين بأن ما تقدمه على الشاشة من حقائق هو الأهم والأبقى، وهو ما ينفع الناس ويفتح بصائرهم، كما كانت على يقين بأنها ليست ممثلة أو عارضة أزياء ستظهر على الشاشة فتجذب الجمهور بمظهرها اللامع، واختارت أن تجذبهم بما تقدمه من حقائق، لتقدم معها رسالة لكل الزاهدين فى الإعلام والإعلاميين، وللذين فقدوا الثقة فى معظمهم، واختلطت بداخلهم الحقائق بالأكاذيب، شاهدوا منى عراقى لتدركوا معنى الصحافة والإعلام، وتتعرفوا على حقيقة هذه المهنة كما يجب أن تكون.