تتعالى بعض الأصوات مؤخراً المطالبة بإجراء الانتخابات الرئاسية أولاً، يا سبحان الله ما أشبه الليلة بالبارحة، فالبعض مازال متبرعاً يُنشأ أو يخوض معارك هامشية لن يستفيد منها سوى الإخوان، فجميعُنا يتذكر كيف كان الإخوان يستغلون القوى الشبابية والحالة الثورية فى إنهاك المجلس العسكرى وإشغال الجميع، حتى يمضى الوقت وتقع تفاحة الوطن فى أيديهم ليبدأوا مشروع إنشاء دولتهم، بينما الجميع منشغل بمعالجة جراحه من المعارك الخائبة التى خاضها.
إذا حاولنا الرد والتفنيد لمبرراتهم فسنجد: نعم خرجت الجماهير فى ٣٠ يونيو مطالبة بالانتخابات الرئاسية المبكرة، لكن رفض النظام ذلك، ومجاهرته بالعنف ضد الجماهير السلمية المحتشدة ترتب عليه انهيار النظام برمته، دستوراً ورئيساً وحكومتاً وبرلماناً، لذا فكانت خارطة المستقبل والتى أدخلتنا فى مرحلة تأسيسية لمؤسسات الدولة تبدأ بكتابة دستور جديد ثم انتخابات برلمانية وتنتهى بانتخابات رئاسية، فذلك هو الترتيب الأفضل دولياً بعد العديد من تجارب التحول الديمقراطى على مدار عشرات السنين، والذى يضمن البناء الهيكلى السليم لسلطات الدولة ومؤسساتها، بعيداً عن السادة المحليين مخترعى العجلة.
ثم إنه لا يوجد ما يستدعى التبكير بالرئاسية، فالوضع سياسياً داخلياً ودبلوماسياً خارجياً بدأ بالأسوأ بعد عزل مرسى مباشرة واستمر فى التحسن مع مرور الوقت، يضاف إلى ذلك أن الحالة الأمنية لم تعد مرتبطة بتوجيهات رئيس الجمهورية، بل مسئولية مؤسسات الدولة مجتمعة، أما عن مبرر الاستقرار فأياً كان الرئيس القادم فلن يحصل على قدر التوافق الذى يحصل عليه الرئيس المؤقت الحالى، وذلك على العكس مثلاً من فترة حكم المجلس العسكرى السابق الذى هبطت شعبيته بشدة متدرجة مع مرور الوقت.
تحتوى مجموعة المطالبين بالتبكير بالانتخابات الرئاسية القليلين من منزوعى الرغبات السياسية المقتنعون برأيهم، لهم منى كل تقدير واحترام، لكننى أُصاب بالفزع حينما أجد رؤساء بعض الأحزاب يهربون من مسئولياتهم فى الانتخابات البرلمانية القادمة بمحاولة تأجيلها واستمرار حالة السيولة الحزبية الحالية، على أمل الارتكان شعبوياً على الرئيس القادم، أو مجموعة أخرى ترغب فى الدفع السريع بمرشحها الرئاسى المدنى، أو شخص إخوانى النشأة والهوى برلمانى سابق يرفض الدستور الجديد ويتبنى كل المواقف الإخوانية منذ عزل مرسى إلى اليوم.
لقد عانينا من محاولات الإخوان سابقاً تشكيل المرحلة الانتقالية لتتناسب مع خطتهم السياسية، فهل نكرر ذلك مجدداً مع آخرين؟!
بمراجعة نتائج الانتخابات البرلمانية والرئاسية السابقة، تنطق ٓ الأرقام بأن مصدر قوة الإخوان والمعبر الحقيقى لمقدار شعبيتهم هى انتخابات البرلمان، وليست الانتخابات الرئاسية أو حتى نتيجة الاستفتاء القادم، لذا فلن تُؤسس لشرعية سياسية حقيقية جديدة فيما بعد ٣٠ يونيو إلا إذا حسمت الانتخابات البرلمانية بعد الاستفتاء مباشرة نفور ورفض الجماهير لهم، أما إذا أتى الرئيس أولاً سواء كان من المشاركين فى المعسكر السياسى المتسبب فى عزل مرسى أو اسماً جديداً، فسيسقط فى فخ شبهة الارتقاء للمنصب بسبب عزل مرسى، وستفقد الانتخابات البرلمانية لاحقاً المقامة فى عهده قيمتها فى التعبير عن الرفض الشعبى للإخوان.
حافظوا على نضالنا وشرعية ثورتنا ومؤسساتنا لسنوات قادمة بإكمال خارطة المستقبل كما هى.